2
والحق أن هذا الإطار المعرفي كان يتلبس بالفكر اللغوي الغربي أيضا: «وقد كان المدى الزمني لأي دراسة تاريخية للغات أقصر كثيرا مما هو متاح لدينا؛ فالناس، وبالتالي لغتهم الإنسانية، ترجع - عبر قرون قليلة - إلى أسلافهم من الأبطال والآلهة والإلهات في الأساطير المسلم بها، وقد اتجهت الجهود أساسا إلى الإجابة عن السؤال: كيف أمكن لمجموعة من الكلمات الأولية المتوافقة صوتيا والتي منحتها أو علمتها الآلهة في البداية أن تتضاعف، لتنتج الأعداد الهائلة من كلمات معجم اليونانية أولا ومعجم اللاتينية بعد ذلك، لتواجه متطلبات المدنية ذات الثقافة الرفيعة؟»
3
يقول ابن فارس في كتاب «الصاحبي»: «اعلم أن لغة العرب توقيف، دليل ذلك قوله تعالى:
وعلم آدم الأسماء كلها (البقرة: 31). كان ابن عباس يقول: علمه الأسماء كلها وهي هذه الأسماء التي يتعارفها الناس من دابة وأرض، وسهل وجبل، وحمار، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها.»
4
استند القائلون بالتوقيف إلى ظاهر النص: فالأسماء كلها معلمة من عند الله بالنص، وكذا الأفعال والحروف؛ لأن الأفعال والحروف أيضا أسماء، لأن الاسم ما كان علامة، والتمييز (بين الأسماء والأفعال والحروف) من تصرف النحاة لا من اللغة، ولأن التكلم بالأسماء وحدها متعذر.
5
واستندوا أيضا إلى استحالة أن يجري اصطلاح بدون لغة مسبقة يتواصل بها المصطلحون. يقول السيوطي في «المزهر»: «لو كانت اللغات اصطلاحية لاحتيج في التخاطب بوضعها إلى اصطلاح آخر من لغة أو كتابة، ويعود إليه الكلام، ويلزم إما الدور أو التسلسل في الأوضاع، وهو محال، فلا بد من الانتهاء إلى التوقيف.»
6 (المزهر 1: 18).
ويرد القائلون بالاصطلاح بأن المقصود بقوله تعالى:
وعلم آدم الأسماء كلها
أقدره عليها ومكنه من الكلام والتسمية، ويردون على أهل التوقيف بطريقتهم: «لو كانت اللغات توقيفية فذلك إما بأن يخلق الله تعالى علما ضروريا في العاقل أنه وضع الألفاظ لكذا، أو في غير العاقل، أو بألا يخلق علما ضروريا أصلا، والأول باطل، وإلا لكان العقل عالما بالله بالضرورة؛ لأنه إذا كان عالما بالضرورة بكون الله وضع كذا لكذا لكان علمه بالله ضروريا ولو كان كذلك لبطل التكليف. والثاني باطل؛ لأن غير العاقل لا يمكنه إنهاء تمام هذه الألفاظ. والثالث باطل؛ لأن العلم بها إذا لم يكن ضروريا احتيج إلى توقيف آخر، ولزم التسلسل.» (المزهر 1: 18).
جاء في كتاب الحروف للفارابي: «فهكذا تحدث أولا حروف تلك الأمة وألفاظها الكائنة عن تلك الحروف، ويكون ذلك أولا ممن اتفق منهم، فيتفق أن يستعمل الواحد منهم تصويتا أو لفظة في الدلالة على شيء ما عندما يخاطب غيره فيحفظ السامع ذلك، فيستعمل السامع ذلك بعينه عندما يخاطب المنشئ الأول لتلك اللفظة، ويكون السامع الأول قد احتذى بذلك فيقع به، فيكونان قد اصطلحا وتواطآ على تلك اللفظة، فيخاطبان بها غيرهما إلى أن تشيع عند جماعة، ثم كلما حدث في ضمير إنسان منهم شيء احتاج أن يفهمه غيره ممن يجاوره، اخترع تصويتا فدل صاحبه عليه وسمعه منه فيحفظ كل واحد منهما ذلك وجعلاه تصويتا دالا على ذلك الشيء، ولا يزال يحدث التصويتات واحدا بعد آخر ممن اتفق من أهل ذلك البلد، إلى أن يحدث من يدبر أمرهم ويضع بالإحداث ما يحتاجون إليه من التصويتات للأمور الباقية التي لم يتفق لها عندهم تصويتات دالة عليها، فيكون هو واضع لسان تلك الأمة، فلا يزال منذ أول ذلك يدبر أمرهم إلى أن توضع الألفاظ لكل ما يحتاجون إليه في ضرورية أمرهم.»
7
وجدير بالملاحظة أن فكرتي «التوقيف» و«الاصطلاح» لم تكونا واضحتين في أذهان أصحابهما، كما يتصور القارئ المعاصر، ولا متمايزتين إحداهما عن الأخرى تمام التمايز!
فبعض القائلين بالاصطلاح لا يستبعدون أن تكون اللغة من وضع مخلوقات ذكية سابقة على الإنسان. يقول الغزالي في المنخول إن «قوله تعالى: