يبحث الشاعر في مادة اللغة عما يحقق له الشكل الجمالي (الاستطيقي ) الدال، وإذا كان للغة سلطان على الناس فللشاعر سلطان على اللغة، وهو في سعيه إلى الأثر الجمالي لا يخرج عن اللغة بل يطورها وينميها ممتدا بها ومنها. وينبغي أن نفهم مواطن خروجه عن المألوف المطرد على أنها كشوف لغوية: منافذ انعتاق، رءوس تبرعم، نقاط شطء، طلائع نمو؛ فهمها النحاة فهما «ألكن» على أنها مواطن قصور وضعف وخطأ، سملها النحاة فأوقفوا نمو اللغة.
في كتابه «بناء لغة الشعر» يخلص جون كوين إلى أن الشعر «انحراف»
Ecart
بالقياس إلى النثر، أو «مجاوزة» كما فضل د. أحمد درويش ترجمتها: «الشعر خروج منظم على قواعد اللغة، والشعر ليس هو النثر مضافا إليه شيء ما، ولكنه هو «المضاد للنثر»، ومن هذه الزاوية فإنه يبدو شيئا سلبيا تماما كأنه شكل «معتل» للغة، لكن هذا العنصر الأول يتضمن عنصرا ثانيا إيجابيا هو أن الشعر لا يهدم اللغة العادية إلا لكي يعيد بناءها وفقا لتخطيط أسمى».
27
وبالرغم من أن الشعر يستخدم الكلمات، ويحمل دائما مضمونا ذهنيا، وينطوي على معان عقلية، فإن الكلمات في الشعر الرفيع تفقد ثقلها السابق، وتتخفف من ماضيها، ولا تعود «أداة» تخدم الفكر وتحيل إلى معان. إنها تنصهر وتكتسب «الشكل»
Form
وتتحول إلى «غاية»، وتفارق صفة «العلامة» وتأخذ صفة «الرمز» الملتحم بمعناه. وكأنما الشعر عودة باللغة إلى بدائيتها الأولى، وهو يصطنع من أجل هذه العودة طرائق كثيرة، منها الوزن. فالوزن، كما أشار كرورانسوم،
28
هو طريقة لفرض الصورة صوتيا على الانتباه الذي قد ينهمك بدون الوزن في معاني الألفاظ نفسها؛ وبذلك يخلق الوزن نوعا محببا من التشتيت يجعل من التلقي تجربة جمالية، كما أن للوزن تأثيرا سيمانطيقيا (دلاليا) هائلا: فهو يضطر الشاعر إلى أن يضحي بدقة الألفاظ الفكرية حتى يسلم له النغم، ويلوي بالتركيب النحوي ليسلم له العروض، وفي هذه العملية يسترخي المعنى ويتفكك ويحقق الشعر ذاته؛ فيكون لغة بدائية صورية شيئية غامضة، أفضل تسجيلا لكثافة الدنيا وروعتها وحيويتها الوهاجة. ولعل هذا هو السبب في أن القصيدة تعني دائما أكثر مما تعنيه ترجمتها النثرية في لغة أخرى، من حيث إن بناءها الشكلي والموسيقي قد جعل منها «رمزا» لا انفصام فيه بين الشكل ودلالته.
29
صفوة القول أن الضرورة الشعرية ليست معلولا مباشرا للوزن ولا تتحدد به، «وإنما تتحدد بماهية الشعر نفسه من حيث هو مستوى من التعبير مختلف عما عليه سائر الكلام، فللشعر تركيبات لغوية تختص به، وهذه هي محل الضرورة.»
30
ومما سبق يتبين لنا حجم الخطأ الذي وقع فيه النحاة حين اعتمدوا في جمع اللغة وتقعيدها على الشعر بالدرجة الأساس، حيث كان ينبغي الاعتماد على النثر بوصفه اللغة السوية القياسية، ويبقى الشعر مستوى آخر من اللغة جديرا بالدراسة بحقه الشخصي، وقد أدى هذا الخلط الأساسي إلى تضخم القواعد واضطرابها وتناقضها، وإلى ضروب أخرى من الخلط ما زالت الفصحى تعاني من آثارها وجرائرها إلى يومنا هذا.
الفصل الثالث
| نشأة اللغة توقيف أم اصطلاح
ذهب العرب مذهبين في تفسير أصل اللغة:
الأول أنها «توقيف» (إلهام/وحي) من الله، أي أن الله هو صانع اللغة. ويستند هذا الرأي إلى قوله تعالى:
وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين (البقرة: 31).
1
الثاني أنها «اصطلاح» (عرف/اتفاق/تواضع/تواطؤ)، بمعنى أن يصطلح اثنان أو أكثر من الناس على تسمية شيء بالاسم الذي يرتضونه ويتواضعون عليه هم ومن يليهم.
وبدا للعربي في ذلك الزمن أن ليس هناك احتمال ثالث لهذين الاحتمالين؛ فقد كان سقف التاريخ البشري في إطاره الذهني وطيئا لا يتعدى بضعة آلاف من السنين لا تسمح بتخلق تلقائي لمثل هذا النظام الهائل - اللغة - فلم يكن بد من صانع مباشر: إما الله (التوقيف)، وإما غيره (الاصطلاح).