تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذا تفسير أنطولوجي للفهم، تفسير يصف عملية الوجود، وقد اتخذ هيدجر منه هذا التصور نقطة بدايته في تحليله للوجود يبدأ من وقائعية الوجود الإنساني، هذا التحليل يصور الوجود على أنه «مشروع إلقاء»

Thrown Project

متوجه بالماضي من حيث هو «ملقى»

Thrown

في الزمان وفي العالم بطريقة محددة، ومتوجه للمستقبل من حيث هو «ممكنات»

Potentialities

لم تتحقق بعد وكدح لتحقيق هذه الممكنات. ثمة دلالة كبيرة يمكن أن تستخلص من ذلك: فما دام هذا الوصف للفهم في الموجود الإنساني المتعين (الدازاين) هو وصف عالمي، فلا بد أنه ينطبق على عملية الفهم في جميع العلوم، أي إن الفهم من حيث هو فهم يعمل دائما في الصور الثلاثة للزمانية معا في آن: الماضي والحاضر والمستقبل، يعني ذلك، بالنسبة لفهمنا للتاريخ، أن الماضي لا يمكن مطلقا أن يعتبر موضوعا في الماضي منفصلا تماما عنا في الحاضر والمستقبل، هكذا يتبين أن الغاية المثالية للتاريخيين في رؤية الماضي في حدود ذاته فحسب هي حلم يجري ضد طبيعة الفهم نفسه، ذلك الفهم الذي لا تنفصم علاقته بالحاضر والمستقبل، يطلق على هذه الصبغة الزمانية الصميمة للفهم نفسه - أي رؤية العالم دائما في حدود الماضي والحاضر والمستقبل - يطلق عليها «تاريخية الفهم»

The Historicity of Understanding .

7 (أ) بعض النتائج التأويلية المترتبة على تاريخية الفهم

مسألة الحكم المسبق

Pre-Judgement

تعد فكرة التحرر من التحيزات

Prejudices

التي ينطوي عليها الرأي السائد في الزمن الراهن وتنقية الفهم والتأويل من هذه التحيزات فكرة جد شائعة بيننا جميعا. لقد درجنا على القول بأن من السخف أن نحكم على إنجازات عصر مضى بمقاييس اليوم، وبأن من المحال إذن تحقيق ما نصبو إليه من معرفة تاريخية إلا بالتخلص من سيطرة الأفكار والقيم الشخصية على الذات والانفتاح الذهني الكامل على عالم الأفكار والقيم الخاصة بذلك العصر الماضي، كان استكشاف دلتاي ل «رؤية العالم»

Wel-Tanschauung (World View)

الخاصة بكل عصر مستندا إلى ضرب من النسبية التاريخية التي تقول بأن الانفتاح العقلي يقضي بأن لا يحكم المرء على عصر تاريخي معين بأحكام عصر آخر، هناك بنفس المقياس أساتذة أدب يهيبون بنا أن تكون مفتوحي العقل حين نتناول الأفكار اللاهوتية المتضمنة في «الفردوس المفقود» لملتون؛ إذ ليس يحق لنا أن نحكم على عمل أدبي بمعايير اليوم، فنحن إنما نقرأ «الفردوس المفقود» بوصفه «عملا فنيا» من أجل عظمة أسلوبه وجلال فكره وقوة خياله، وليس لأنه صادق أو حقيقي، مثل هذا الرأي يفصل الجمال عن الحق، وينتهي بنا إلى أن نرى ملحمة «الفردوس المفقود» على أنها «نصب نبيل لأفكار ميتة».

ومن المثير للسخرية أن هذه النظرة المغلوطة إلى النص الأدبي تتنكر على أنها أقصى ما وصل إليه التفتح العقلي، رغم أنها تسلم بالحاضر تسليما وتفترض مسبقا أنه صحيح ولا ينبغي أن يوضع موضع الاختبار، أي إن الحاضر «مطلق» وإن توجب أن يعلق وينحى جانبا؛ لأن الماضي لا يمكن أن ينافسه، ونحن إن أنعمنا النظر في هذا التفتح العقلي المزعوم وهذا التعليق للتحيزات نجد أن وراءه ضربا من الانغلاق وعدم الاستعداد للمخاطرة بأحكامنا المسبقة ووضعها على المحك، إنه يضع الماضي في مقابلنا كشيء لا صلة له بنا تقريبا، أو كشيء لا يهم إلا أهل الدراسات القديمة، ومن الأمور المؤسفة أن أساتذة الأدب بعامة أصبحوا يصنفون إما إلى شكلانيين (أو جماليين متطرفين) وإما إلى سلفيين مهتمين بالدراسات القديمة، ينعى الفريق الثاني على الفريق الأول عدم التعمق في التاريخ وفقه اللغة، بينما ينحي الشكلانيون بالنقد على أساتذة فقه اللغة والتاريخيين؛ لأنهم لا ينظرون في الحقيقة إلى العمل الأدبي على أنه «فن». يستند موقف الجماليين على الفصل المغلوط بين الشكل والمضمون في الاستطيقا الذاتية، فقد رأينا فيما سبق أن الحق والجمال لا يمكن فصلهما في خبرة العمل الفني، وها نحن نرى الآن في ضوء تصورات هيدجر وجادامر عن الفهم التاريخي أن السلفيين والفيلولوجيين من سدنة الماضي ليسوا أقوم فهما للتاريخ من الجماليين المتطرفين.

فهم الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا: نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامر · الصفحة ٨٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فهم الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا: نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامرص ٨٩