تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

5 (ولعلنا نرى فيه نموذجا بدئيا لفقداننا الحالي للتاريخية الأصيلة من جراء ميلنا لاستخدام المناهج الاستقرائية للحصول على معرفة موضوعية في الأدب).

وحتى قبل هيدجر وجادامر فإن نقد هسرل الفينومينولوجي للنزعة الموضوعية على أساس قصدية الوعي، كان قد أعلن نهاية النزعة الموضوعية البائدة، وأصبح واضحا بشكل متزايد منذ ذلك الحين أن جميع الموجودات المعطاة في عالم المرء تقف داخل الأفق القصدي لوعيه، داخل «عالمه الحياتي»، ففي مقابل المعرفة «الصائبة موضوعيا» والعالم اللاشخصي الذي يراه رجل العلم، دفع هسرل بفكرة الأفق القصدي الذي فيه يعيش المرء ويتحرك، والأفق القصدي ليس أفقا غفلا (من الاسم)

Anonymous

بل هو أفق شخصي ومشترك مع الموجودات الأخرى ذات الخبرة، وهو يسمي هذا «عالم الحياة»

Lifeworld ، في إطار هذا التصور العام عن «عالم الحياة» استهل هيدجر نقده للوعي التاريخي.

6

غير أن «العالم الحياتي» للإنسان عند هيدجر ليس مجرد طريقة أكثر اكتمالا لوصف عمليات الذاتية الترانسندنتالية القائمة في الوعي وما وراءه، لقد فسر هيدجر قصدية الوعي تفسيرا تاريخيا، وجعل منها أساسا لنقده للوعي التاريخي، كما قام هيدجر في الوقت نفسه بنقد الميتافيزيقا ومفهومها للذاتية، ذلك المفهوم الذي يؤسس الموضوعية كلها على اليقين الذاتي للذات الإنسانية العارفة (أي إن الموضوعية هنا لا تعدو أن تكون ذاتية مقنعة)، في «الوجود والزمان»، وبينما يستخدم هيدجر منهج هسرل الفينومينولوجي، فقد كان يبذل وسعه للابتعاد عن الذاتية الترانسندنتالية؛ لكي يصل إلى نوع من الموضوعية تقوم خارج قسمة «الذات/الموضوع»، موضوعية تتخذ من «وقائعية»

Facticity

الوجود الإنساني نقطتها المرجعية النهائية، هكذا نجد عند هيدجر نوعا جديدا من الموضوعية مخالفا لموضوعية العلوم الطبيعية وموضوعية دلتاي وموضوعية المدرسة التاريخية وموضوعية الميتافيزيقا الحديثة وموضوعية التفكير التقني الحديث بكل ما يتسم به من براجماتية، الموضوعية الجديدة التي أتى بها هيدجر هي ترك الموجود يفصح لنا عن نفسه كما هو.

وبوسع المرء أن يلمس بوضوح أوجه القصور الشديد للنزعة الموضوعية عندما يكف عن اتخاذ «العالم الموضوعي» (الذي يقدمه لنا تصورها للعالم) بوصفه «العالم» ويستخدم العالم الحياتي كنقطة انطلاق، عندئذ سيرى للتو أن لا شيء من عالم الحياة، باستثناء شطر يسير، يمكن أن يصبح شيئا مقابلا للإنسان بوصفه موضوعا، فالحق أنه بوصفه عالما يمثل الأفق الذي يتعرف فيه المرء على بقية الأشياء كموضوعات بينما يبقى هو عالما. إن العالم الحياتي للمرء يند عن أي محاولة لفهمه من خلال أي «منهج»، وإنما يعثر المرء على طبيعة هذا العالم، أو قل يتعثر بها، بطريق المصادفة في عامة الأحوال، وبخاصة خلال نوع من السلبية أو التعطل (انظر ما قيل في ذلك في الفصل الخاص بهيدجر)، وما كان لطريق الموضوعية والمناهج أن يكشف للمرء عن عالمه الحياتي، ولكن في عالم الحياة هذا ومن خلاله يصنع المرء أحكامه ويصل إلى قراراته، وحتى «العالم الموضوعي» هو بناء داخل عالم حياتي معطى خبرويا، كيف إذن يتسنى للمرء أن يصل إلى العالم الحياتي؟ كيف يمكن للمرء أن يقنع العالم الحياتي بأن يسفر عن وجهه؟! يقترح هيدجر منهجه الفينومينولوجي كطريقة لذلك، وهو يسمي هذا المنهج أيضا «هرمنيوطيقا الوقائعية

Hermeneutics of Facticity »، يقوم هذا المنهج لا على الطريقة التي ينتسب بها العالم للذات الإنسانية، بل على الطريقة التي تنتسب بها الذات الإنسانية للعالم، يحدث هذا الانتساب من خلال عملية «الفهم»، ليست عملية الفهم مجرد عملية يقوم بها المرء بين غيرها من العمليات، إنها عملية أساسية، عملية فيها ومن خلالها يوجد المرء بوصفه موجودا إنسانيا (أو بتعبيرنا الأثير: الفهم ليس شيئا يقوم به الإنسان، بل هو شيء يكونه).

فهم الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا: نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامر · الصفحة ٨٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فهم الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا: نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامرص ٨٨