إن العملية التأويلية في جوهرها تتمثل لا في الإيضاح العلمي لما هو مصرح به في النص، بل في التفكير الإبداعي الذي يسلط الضوء على المعنى المضمر لا الصريح، الباطن لا الظاهر.
13
في تناوله للشاعر الألماني «جورج تراكل»
Georg Trakl
يقول «هيدجر» إن دراسته لتراكل ليست بيوجرافية ولا اجتماعية ولا سيكولوجية، بل هي نظر في «المكان»
Ort
الذي «يشعر» منه تراكل، المكان الذي يكشفه شعره ويسلط عليه الضوء، ذلك أن كل شاعر عظيم إنما يتحدث من داخل «قصيدة» شاملة وحيدة لا تقال أبدا ولا تتم، ومهمة الحوار الفكري مع الشاعر هي العثور على ذلك المكان من الوجود الذي يمثل أساس القصيدة، «فقط من موضع القصيدة» غير المقولة «يمكن للقصيدة المفردة أن تضيء وترن»، يعترف «هيدجر» أن هناك خطرا لا يستهان به أن يؤدي هذا الحوار الفكري مع القصيدة إلى خلط يغشي على ما تقوله القصيدة بدلا من أن يتركها تقول ما لديها بتلقائية وبساطة، ويقول إن شرح القصيدة الشاملة التي أشرنا إليها لا يمكن، على أية حال، أن يكون بديلا عن الاستماع الحقيقي للقصائد، فهل تخلى «هيدجر» بذلك عن مبدئه الأول القائل باستخدام العنف مع النص؟ الحق أن «هيدجر» منذ البداية يريد أن يترك النص يتحدث بصوته ويبوح بحقيقته، أما مسألة «استخدام العنف» فهي أساسا رد فعل تجاه النقاد الذين يقصرون مهمة التفسير على ظاهر النص (النقاد «الظاهرية» إن صح التعبير)، يريد «هيدجر» أن يؤكد مرة ثانية ضرورة تجاوز النص في نهاية المطاف وإعادة السؤال الذي يطرحه النص والانشغال بما كان يشغل النص!
وفضلا عن ذلك، فإن عملية الشرح - في كل خطوة - يبدو أنها تمضي وراء النص إلى جذور كل كلمة، إلى إعادة لكل بيت أو أبيات مرة ومرات، والاستماع أكثر وأكثر إلى البيت نفسه، توضح هذه الإعادات أن وظيفة الشرح هي أن تترك البيت يتكلم لا أن تفرض عليه ما ليس فيه أو أن تحاول أن تتكلم أفضل منه، إن الفكرة ذاتها - فكرة كشف «موضع» القصيدة - هي محاولة ل «تمهيد المسرح» للقصيدة لا لأخذ مكانها على المسرح، ومثلما يدعو «النقد الجديد»
New Criticism
فإن القصيدة نفسها هي كل ما يهم وليس الخلفية البيوجرافية، وإن «الخلفية» الحقيقية للقصيدة ليست حياة المؤلف بل «الموضوع»
Subject matter
الذي تتناوله القصيدة.
يتفق «هيدجر» مع «النقد الجديد» إذن في التوكيد على «الاستقلال الأنطولوجي» للقصيدة، وفي عبثية (ولا مشروعية) إعادة الصياغة، وينشأ الاختلاف بينهما في أن النقد الجديد يجد صعوبة كبيرة في تقبل «الفروض المسبقة»
Presuppositions
كخطوة في المسعى الجدلي إلى «الحقيقة» التي تحملها القصيدة وتكشف عنها، فالنقد الجديد مأخوذ ب «الموضوعية العلمية» ومتقيد بقيودها، ويجعل من النص «موضوعا»
object
ومن الشرح تناولا علميا ل «معطيات» النص ولا شيء غير معطيات النص، أما أسلوب «هيدجر» في الشرح فيختلف جذريا عن أي «تحليل» موضوعي للمعطيات الصلبة (الماثلة في النص بدون أدنى خلاف)، غير أن وشائج القربى بين «هيدجر» والنقد الجديد ونقاط اتفاقهما المكينة من وراء الاختلافات الأسلوبية الخارجية، لتومئ إلى أن هرمنيوطيقا «هيدجر» يمكن أن تقدم الأساس والقاعدة لبعث جديد وصيغة جديدة أكثر حيوية للنقد الجديد. (7) نظرية هرمنيوطيقية في الفن
في عام 1936م ألقى «هيدجر» ثلاث محاضرات في الفن تحمل عنوان «الأصل في العمل الفني»
The Origin of the Work of Art
لم تنشر حتى عام 1950م عندما ضمنها كتابه «متاهات» (مسالك في الغابة)
Holzwege ، في هذه المحاضرات الثلاث يجد القارئ مذهب «هيدجر» في طبيعة الفن في أكمل عرض وأقومه، حقيقة الأمر أن هذه المحاضرات تنقل إلى نطاق الفن تلك التصورات الهرمنيوطيقية ال «هيدجرية» عن الحقيقة والوجود، وعن اللغة بوصفها حديثا وقولا كما بينا آنفا، فالعمل الفني العظيم يتكلم، وهو إذ يفعل ذلك إنما يستقدم «عالما»