تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هكذا وحد «هيدجر» بين ماهية الوجود والتفكير والإنسان والشعر والفلسفة وبين الوظيفة الهرمنيوطيقية للقول، وهكذا جعل فلسفته الخاصة هرمنيوطيقية بالدرجة الأساس وجعل موضوعاته الكبرى واقعة في صميم نطاق الهرمنيوطيقا، وقد نجح بالطبع في تحويل سياق الهرمنيوطيقا بأسره بعيدا عن التصور القديم لها كمبحث فيلولوجي خاص بتأويل النص، لم يأبه «هيدجر» بكثير من المفاهيم السابقة: قسمة الذات/الموضوع، الموضوعية، معايير التحقق، النص بوصفه تعبيرا عن الحياة؛ كل هذه مسائل غير واردة في منهج «هيدجر»، لقد عرف الهرمنيوطيقا على أنها التعامل مع اللحظة التي ينبلج فيها المعنى، إنه فهم هائل الاتساع، على حد تعبير ريكور؛ لأنه لا ينحصر بالضرورة في عملية فهم نص من النصوص، وقد أدى هذا التعريف إلى تغيير جارف في بنية هذا المبحث ومعالمه، ليعاد تعريف فعل التأويل نفسه ويوضع في إطار أنطولوجي.

في كتابه «مدخل إلى الميتافيزيقا» يقوم «هيدجر» بشرح «أنشودة في الإنسان» من مسرحية «أنتيجونا» لسوفوكليس، في محاولة منه للتعرف على التصور الإغريقي الأول عن الإنسان كما تعبر عنه القصيدة، يقول «هيدجر»: «يقع تأويلنا في ثلاث مراحل، وفي كل مرحلة منها سوف ننظر إلى القصيدة كلها من زاوية مختلفة:

في المرحلة الأولى سوف نقدم المعنى الباطن للقصيدة، ذلك المعنى الذي يمسك صرح الألفاظ ويحفظه ويعلو فوقه.

وفي المرحلة الثانية سوف نتفقد التتابع الكامل للفقرات الشعرية

Strophes

وردودها

Antistrophes ، ونحدد المنطقة التي تكشفها القصيدة وتبينها وتضيئها.

وفي المرحلة الثالثة نحاول أن نتخذ موقفنا في مركز القصيدة، بحيث يمكننا الاطلاع على حكمها فيما يكونه الإنسان وفقا لهذا الخطاب الشعري.»

من الواضح أن «هيدجر» لا يأخذ منهجا شكليا

Formalist ؛ لأن الشكلية لا تتفق مع مقاصده ولا مع السؤال الذي يطرحه، ومن المثير أن إجراءه هنا يستبق مدخله «الطوبولوجي» اللاحق الذي يجعل فيه غاية الشرح هو تحديد «الموضع»

Topos

الذي تتحدث منه القصيدة، موضع تلك المساحة مع الوجود التي تضيئها الفقرة الشعرية؛ وعلى ذلك فإن المرحلة الأولى لا تبدأ في الحقيقة تسلسليا، بل تبدأ بسعي للعثور على المعنى الذي يمسك صرح الألفاظ كله و«يرتفع فوقه»، فالشيء الذي تقوله القصيدة يقف داخل معنى غير مصرح به تصريحا كاملا، ذلك المعنى الذي يحيط بالنص من أسفله وأعلاه، هذا المعنى المحيط ... هذا «الجشطلت» الذي يفوق مجموع أجزائه، هو المبدأ الذي يحكم القصيدة ويجلو أجزاءها، إنه «الحقيقة» التي في القصيدة، «الوجود» الذي يتكشف ويأتي إلى النور، «روح القصيدة» إن جاز للمرء أن يقول. فقط في ضوء هذا المعنى يستطيع «هيدجر» أن ينتقل إلى المرحلة الثانية، وهي أن ينتقل من فقرة شعرية

Strophe

إلى ردها

Antistrophe

والعكس، خلال القصيدة، لكي يحدد المنطقة التي تكشفها القصيدة وتسلط عليها الضوء.

في المرحلة الثالثة، نحاول أن نقف في مركز القصيدة، أي في الحد الفاصل بين التحجب من جهة وبين الانكشاف الذي أتاحه الفعل الإبداعي للشاعر، فعل التسمية ، من جهة أخرى، وأن ننظر مرة أخرى بتمعن فيما تمت تسميته، يعني ذلك بطبيعة الحال أن نتخطى القصيدة إلى ما لم تقله القصيدة: «لو أننا قنعنا بما تقوله القصيدة بصورة مباشرة، لبلغ التفسير (التأويل) نهايته (مع المرحلة الثانية)، غير أن التأويل هنا في حقيقة الأمر يكون قد بدأ لتوه، فالتأويل الحق يجب أن يكشف ما لا يمثل في الألفاظ ولكنه يشار إليه رغم ذلك (ما يقال دون أن يلفظ)، وعلى المفسر لكي يحقق ذلك أن يستخدم العنف! عليه أن يبحث عن الشيء الجوهري حيث لم يتبق شيء يمكن أن يجده التفسير العلمي الذي يصم باللاعلم كل ما يتجاوز حدوده.»

فهم الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا: نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامر · الصفحة ٧٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فهم الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا: نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامرص ٧٦