يثير هذا الحديث مسألتين مألوفتين في التراث الهرمنيوطيقي: (1)
مسألة التعدي على النص أو التجرؤ عليه. (2)
مسألة فهم الكاتب فهما أفضل من فهمه هو لنفسه.
حين نتصور الحقيقة كشيء ما يبزغ ثم يتوارى بالحجاب، وحين يضع الفعل الهرمنيوطيقي المفسر على حدود الفراغ الخالق الذي ينبثق منه العمل، عندئذ يجب أن يكون التأويل متفتحا لما لم يقل بعد، ذلك أن «العدم»، في مفهوم «هيدجر»، هو الخلفية الخلاقة لكل إبداع إيجابي، إلا أن هذا العدم لا يحمل معنى إلا في سياق الوجود وفي إيجابية الوجود، وحين يتم النظر إلى العمل الفني لا كموضعة أو إسقاط للذاتية الإنسانية بل كانكشاف للوجود أو كنافذة إلى العالم المقدس، تكون مواجهة العمل الفني أقرب إلى استلام هدية أو نيل هبة وليس عملية إدراك ذات لذاتيتها.
إن تأويل العمل العظيم ليس تمرسا بالقديم ولا هو محاولة أخذ حياة الإغريق كنموذج للحياة الحقة كما هو شائع ومألوف عند دعاة المذهب الإنساني، بل التأويل هو إعادة معايشة لحظة الانكشاف الأصلية واستعادتها، إنه يحاول التخلص من رواسب سوء الفهم المتراكمة عبر السنين (شغف «هيدجر» بصقل الكلمات حتى يشع بريقها الأصلي مرة ثانية) ويأخذ موقفا وسطا بين ما قيل وما لم يقل، غير أنه ليس مجرد عودة إلى الماضي بل هو لحظة جديدة من الكشف، فأن تبعث كانت كما كان بالضبط إنما هو استعادة حمقاء، وإنما ينبغي على كل تأويل أن يشن هجوما على الصيغ الظاهرة في النص، فالخوف من المضي فيما وراء ظاهر النص هو ضرب من عبادة الأوثان وضرب من السذاجة التاريخية في الوقت نفسه.»
9
هل المرء - إذن - يفهم المؤلف حقا أفضل مما يفهم المؤلف نفسه؟ بالطبع لا، فالمؤلف كان في الدائرة الكاملة من الاعتبارات التي ألهمت تأليفه، إن المرء لا يفهم المؤلف فهما أفضل بل فهما مختلفا، وفي حواره الشهير مع الياباني يقول «هيدجر» إن هدفه هو أن «يتدبر الفكر اليوناني بطريقة يونانية أكثر عمقا»، وحين يسأل هل يعني ذلك أن يفهم اليونان أكثر مما فهموا أنفسهم يقول كلا بل إنه يفوقهم - هنا - في أنه لن يكتفي بما قيل وفكر فيه بل سيمضي إلى ما لم يفكر ولم يقل، يريد «هيدجر» أن يخترق الستار الخلفي للتفكير اليوناني في بزوغه الأول؛ فقد يكمن في الفراغ الخلاق واللاوجود القابع وراء انبثاقه الإيجابي مفتاح لصنف آخر من التفكير وفهم آخر للوجود والحقيقة واللغة، وحتى يتم ذلك ستبقى الأشياء مجرد «موضوعات»
Objects ، وسيبقى العالم لعبة الإنسان أو دميته، ليس ما يلزمنا هو مزيد من التقدم والإيغال في فكر الحضور وإنما تلزمنا خطوة إلى الخلف نتملص بها من التفكير الذهني أو التفسيري الصرف، ونلج إلى التفكير التأملي الكشفي. (6) على الطريق إلى الفكر
في حواره الشهير مع الياباني يذهب «هيدجر» إلى أن الإنسان يقف في «علاقة هرمنيوطيقية» يكون فيها هو «حامل الرسالة» وهو المفصح عن الوجود، فالإنسان هو ذلك الكائن الذي يعبر الفجوة بين خفاء الوجود وتجليه، بين تحجب الوجود وانكشافه، بين العدم (بتعبير آخر) والوجود، والإنسان إذ يتكلم إنما «يؤول» الوجود، والتفكير الحق في تعريف «هيدجر» ليس تناولا وتلاعبا بما تم انكشافه، بل كشفا لما خفي واحتجب، على أن النص الذي يقوله مفكر أو شاعر كبير ينطوي دائما على الكثير من الأشياء التي تظل محتجبة غير مقولة، ومن ثم فإن الحوار الفكري مع النص من شأنه أن يثمر مزيدا من الكشف ويؤدي إلى مزيد من الإفضاء، ويصبح هذا تأويلا بالمعنى التقليدي للكلمة، غير أن هذا الفعل التأويلي الثانوي يجب أن يرتد باستمرار إلى إعادة ودية متعاطفة للكشف الأصلي، ويجب أن يتلبث دائما على الحدود فيما بين المحتجب والمنكشف.
كيف يمضي الحوار الخلاق مع النص؟