في مثل هذا الإطار لا يمكن للتفكير إلا أن يكون «حضوريا»، أي عرض فكرة أمام العقل، ولا يمكن للحقيقة إلا أن تكون «تطابقا»
Correspondence
بين ما في الأذهان وما في الأعيان، هذا الحضور لا يمكن في حقيقة الأمر أن يكون انكشافا ذاتيا للشيء ما دام الشيء واقعا في القبضة المسيطرة لفعل «الموضعة»
Objectification
الذي تقوم به الذات، ومن ثم فقد أصبحت الأنساق الميتافيزيقية الكبرى، كما يقول «هيدجر»، تعبيرات عن الإرادة، سواء اتخذت هذه الإرادة صورة «العقل» (كانت)، أو «الحرية» (فخته)، أو «الحب » (شيلنج)، أو «الروح المطلق» (هيجل)، أو «إرادة القوة» (نيتشه).
لا تعرف إرادة القوة القائمة على مذهب الذات أي قيمة نهائية، ولا تعرف غير التعطش الدائم لمزيد من القوة، ويتجلى هذا في عصرنا الحاضر في التكالب المسعور على السيطرة التكنولوجية، غير أن تأثير التفكير التكنولوجي هو أكثر شمولا وخفاء من ذلك؛ لأننا شيئا فشيئا صرنا نعتبر التفكير نفسه مسألة سيطرة وسيادة، لقد أصبح التفكير تكنولوجيا يتشكل وفقا لما تقتضيه المفاهيم والأفكار التي تمنحنا سيطرة على الأشياء وعلى الخبرة، لم يعد الفكر مسألة استجابة مفتوحة للعالم بل أصبح محاولات محمومة للسيطرة عليه، لم يعد راعيا حصيفا وحارسا أمينا لثروات الأرض، بل أصبح يستهلك العالم ويستنفد ثرواته في محاولة إعادة تشكيله وفقا لأغراض الإنسان، لم تعد للنهر، على سبيل المثال، قيمة داخلية، وصار الإنسان يغير مجراه بما يخدم مصالحه، فيبني السدود الضخمة، ويلقي النفايات السامة في النهر ولا يراعي حرمته، لقد فرت الآلهة وصارت الأرض تستهلك بلا هوادة، وهذه، فيما يرى «هيدجر»، هي النهاية المأساوية لتطور التفكير من أفلاطون، مرورا بديكارت ونيتشه، ووصولا إلى عصرنا الحالي.
والهرمنيوطيقا، بوصفها نظرية الفهم والتفسير، تتأثر بشكل مباشر بهذه الاعتبارات، ذلك أنه حين يتم تناول المشكلة التأويلية داخل إطار التفكير التكنولوجي، يكون المطلوب من التأويل هو أن يقدم الوسائل الكفيلة بالسيطرة التصورية على الشيء، وعندما يعرف التفكير على أنه التلاعب بالأفكار والمفاهيم فإنه لا يعود تفكيرا إبداعيا خالقا بل تلاعبا واختراعا، وعندما يكمن مذهب الذات في قاعدة الموقف التأويلي وأساسه فإن ما يجري تأويله لن يكون سوى مجرد «موضعة»
Objectification ، مجرد إسقاط لدواخل الذات على الخارج، وها هنا يكون مفهوم الحقيقة، كتطابق، مفهوما ملائما منطقيا لهذا الطرح، وتصبح الحقيقة مجرد «صواب» عبارة أو «صحة» فكرة.
ثمة إذن فرق هائل يمس نظرية التأويل حين يتم النظر إلى التفكير على أنه تناول أفكار؛ لأن التأويل نفسه عندئذ لا يعود تناولا لمادة مجهولة يجب أن تخرج إلى النور بل يصبح توضيحا وتقييما لمعطيات معلومة سلفا، هنالك تنحصر مهمة التأويل لا في «إظهار» الشيء وإماطة اللثام عنه بل في تحقيق الثواب والصحة من بين العديد من التأويلات الممكنة، من شأن هذه الفروض المسبقة أن تبقي المرء دائما في الضوء الواضح لما هو معروف سلفا بدلا من أن تعبر به الفجوة بين الضوء والظلام، واللغة لا يمكن تصورها في هذا الإطار إلا كنسق من العلامات يتم تطبيقها على مجموعة معلومة سلفا من الأشياء.
يرى «هيدجر» أن كل هذه المجموعة من التعريفات - تعريف اللغة، والحقيقة، والتفكير - وتصور الفهم والتأويل القائم عليها، تمثل تجسيدا موضوعيا لمذهب «أفلاطون» في «الحقيقة»، وما الفكر الغربي، وبخاصة الميتافيزيقا، منذ أفلاطون سوى «النص»
Text
الخاص بهذا التجسيد، وقد أخذ «هيدجر» على عاتقه تأويل هذا النص وذلك بأن يذهب فيما وراءه، إنه ليجد في كانت وهيجل ونيتشه إلماعات من الطرح اليوناني القديم للحقيقة كإظهار وكشف ولا تحجب، غير أنها سرعان ما تخفت وتنطفئ ليسود التصور الجديد لها كتوافق وتطابق وصحة أفكار، منذ البداية إذن عرف «هيدجر» مهمته الفلسفية كمهمة تأويلية بالدرجة الأساس، غير أنه تأويل لا يعني مجرد الصحة والتوافق، بل يحمل النبرة العميقة القديمة: جلب معنى خفي مخبوء، إخراج ما هو مجهول إلى النور، وحي وبوح، كشف وإظهار، رفع حجاب وإماطة لثام، بذلك حين يقوم «هيدجر» بتأويل كانت فإنه لا يقول لنا ماذا يقصد كانت فحسب؛ لأن الاكتفاء بما يقوله المؤلف هو بمثابة التوقف عند النقطة عينها التي ينبغي أن يبدأ منها التأويل الحقيقي، إنما هو يسأل: ماذا لم يقله النص؟ إنه يسأل: لماذا قام كانت بمراجعات وتنقيحات معينة فيما بين الطبعة الأولى والطبعة الثانية من «نقد العقل الخالص»؟ ويمضي فيما وراء النص ليسأل: «ماذا لم يقله المؤلف ولم يكن بمقدوره أن يقوله، على أنه جلي في النص بوصفه المحرك الداخلي الصميم؟ ذلك أن النص المنتهي والنهائي ليس هو الموضوع الوحيد للتأويل، بل موضوع التأويل هو ذلك العرام الداخلي والجهاد الباطن الذي كان يعتمل أثناء خلق النص.