Amoral ، فالفهم عملية عقلية خالصة لا دخل فيها للأخلاق، قد يكون الاستبصار المفاجئ إيقاظا سارا وقد يكون محبطا ومخيبا إذ يجرد المرء من وهم لذيذ، غير أن الفهم ذاته محايد دائما من الوجهة الأخلاقية.
وقد أشار ولتر أوتو
Walter Otto
إلى وجود تواز بين هرمس وإله الفيدا «بوشان» الذي ينقذ التائهين في الطرق، فهو مثل هرمس يعرف الطرق، وله طريقة خاصة في مساعدة البشر وفي منحهم الكنز، وذلك بأن يتيح لهم أن يعثروا عليه بأنفسهم، كذلك الحال على صعيد التأويل؛ فالمناهج التأويلية قد صممت لكي تمكن النص من أن يؤتي كنزه، غير أن المؤول يرشد القارئ إلى الكنز ثم ينسحب، إن المؤول مجرد موجه، وهو بوصفه موجها يبقى صورة هامشية، يبقى خارجيا، محرضا فحسب.
وصفوة القول: أن هرمس يظل إله الطرق والمفارق والعتبات وعابر الحدود، ويترأس جميع الصفقات التي تعقد على الحدود؛ ولذلك فهو إله الترجمة وإله جميع التعاملات بين العوالم، ويبدو أن ماهية الهرمنيوطيقا أن تكون حدية، أن تتوسط بين مجالات الوجود، سواء بين الله والبشر، الصحوة والنوم، الوعي واللاوعي، الحياة وما بعد الحياة، الجلي والخفي، النهار والليل، ويبدو أن أبعاد الإله الميثولوجي هرمس تومئ إلى عنصر محوري في معنى الهرمنيوطيقا: وهو أنها وساطة بين العوالم، وفي الحالات الشديدة تعد رسالة هرمس مزلزلة للعالم: فهي تحدث، كما يقول هيدجر: «تحولا في الفكر.»
الفصل الثاني
| الاستخدام القديم ودلالته الحديثة
رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث (يوسف، آية 101)
قلنا إن هرمس هو المراسل فيما بين الآلهة والبشر، وأن الأصل اليوناني للفظة «هرمنيوطيقا» يوحي بعملية «الإفهام» وبخاصة حين تشتمل هذه العملية على اللغة، فاللغة هي الوسيط الأساسي في هذه العملية بلا ريب، هذا الإفهام الذي تتوسطه اللغة هو العنصر المشترك في الاتجاهات الثلاثة الأساسية لمعنى لفظة
Hermeneuein
ولفظة
Hermeneia
في الاستخدام القديم، هذه الاتجاهات الثلاثة للفعل «يؤول» في اليونانية هي: (1)
يعبر بصوت عال في كلمات، أي: «يقول» أو «يتلو». (2)
يشرح، كما في حالة شرح موقف من المواقف. (3)
يترجم، كما في حالة ترجمة لغة أجنبية.
هذه المعاني الثلاثة جميعا قد يعبر عنها الفعل الإنجليزي
To Interpret ، غير أن كلا منها يمثل معنى مستقلا من معاني التأويل .
التأويل - إذن - يمكن أن يشير إلى ثلاثة أمور مختلفة نوعا ما سواء في الاستعمال اليوناني أو الإنجليزي: التلاوة الشفاهية، والشرح المعقول، والترجمة من لغة إلى أخرى، غير أن بمقدور المرء أن يلاحظ أن «العملية الهرمسية» قائمة في الحالات الثلاث جميعا، ثمة شيء بحاجة إلى العرض أو الشرح أو الترجمة يصبح، بطريقة ما، معقولا ومستوعبا، ثمة شيء ما قد تم «تأويله». (1) التأويل بمعنى «التلاوة»
ينشد الشعر جديدا كالصبا
وأنا ناظمه منذ سنين
وأبث فيه من صباه عجبا
فإذا قلت ارتجال لا تمين
1
العقاد
أول الاتجاهات الثلاثة الأساسية لمعنى الفعل «يؤول» هو: «يعبر»، أو «يدلي»، أو «يقول»، أو «يتلو»، وهو اتجاه يرتبط بالوظيفة «الإعلانية» لهرمس، وما يزال الفعل «يعبر» هنا يحمل معنى «القول» وإن يكن القول في هذه الحالة هو القول الذي يعد في ذاته تأويلا، من أجل ذلك يلتفت المرء إلى الطريقة التي يعبر بها عن الشيء، أي إلى «الأسلوب» الذي يتم به الأداء، ونحن نستخدم هذا الظل الدقيق لكلمة «تأويل» عندما نشير إلى تأويل مطرب لأغنية ما، أو تأويل قائد أوركسترا لسيمفونية ما، بهذا المعنى يكون التأويل شكلا من أشكال القول، وبالمثل يكون الإلقاء الشفاهي أو الغناء تأويلا، وقد كانت كلمة «تأويل»
Hermeneia
تشير أحيانا إلى التلاوة الشفهية، تلاوة قصيد ملحمي لهومر على سبيل المثال، وفي محاورة «أيون»