تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في هذه الفجوة، هذه الفاصلة، منطقة الإفضاء؛ يقف الإنسان فيتكشف له شيء ما، ويأتي نحوه حاملا الحضور والشيء الحاضر معا في آن. على الإنسان هنا ألا يفعل بل ينفعل، ألا يتكلم بل يصغي، ألا يفسر بل يفهم الشيء الذي أسفر عن نفسه، لا يصبح الإنسان «هرمسا» بحق، أي حامل رسالة، إلا لأنه أولا وقبل كل شيء فتح كيانه كله لعملية «التجلي»

Unconcealment

الإنسان هو حامل الرسالة التي ألقى بها إليه هذا التجلي المزدوج.

إن الشيء المثير والمهم في هذا الوصف الهيدجري للتأويل هو أنه يعود بنا وراء تكنيك التفسير إلى لحظة أكثر بداءة، لحظة سابقة على أشكال فكرنا الحاضرة؛ لكي نعي شيئا جوهريا، يحاول مثل هذا التأويل أن يدخل في حوار ودي وأساسي مع الجهود الكبرى السابقة لفهم معنى الوجود، هذا الإصغاء البدئي هو أيضا إصغاء تأويلي بمعنى آخر: إنه إصغاء إلى النصوص، فالرسالة التي يتعين على المرء أن يؤولها هي في حقيقة الأمر مذاهب أسلافه وتفكيرهم كما هو متجسد في النصوص الكبرى، «أن توجد» من الوجهة التأويلية ككائن إنساني هو أن توجد «بين النصوص»

Intertextually ، أن تساهم في سلسلة التأويل اللانهائية التي تشكل تاريخ فهم الوجود، «إن كل كائن إنساني في كل لحظة هو في حوار مع أسلافه، وربما أيضا في حوار أشد خفاء مع أخلافه الذين سيأتون من بعده.» يريد هيدجر أن يحث المفسر على التأمل في النصوص بحب فقيه اللغة للألفاظ، و«أن يعطي كل لفظة في كل موضع وزنها الكامل، والذي يكون في الأغلب خفيا مستورا».

وبوسعنا أيضا أن نفهم لماذا يفضل هيدجر لفظة

Hermeneutics

على بدائلها الأخرى من مثل

Interpretation ، عندما نتذكر أن مشروع هيدجر ينطوي على محاولة لاستعادة فهم الوجود واسترداد الوعي به، والذي يرى هيدجر أننا قد فقدناه في الأزمنة الحديثة، بل منذ زمن أفلاطون وأرسطو في حقيقة الأمر، فإذا تعين على المرء أن يبحث عن «الثقل الخفي» للألفاظ القديمة فلكي يمضي فيما وراء الوضوح الذاتي في التفكير الحديث. هذا الإصغاء الخاص والشديد الذي يدعو إليه هيدجر هو أمر ضروري من أجل الانفلات من حدود النظرة الحديثة للعالم، فالهرمنيوطيقا هي ذلك المجال المعني بفك رموز الأقوال التي تنتمي إلى أزمنة وأمكنة ولغات أخرى، دون أن يفرض عليها المرء مقولاته هو

Categories

أو تصنيفاته الذهنية (مشكلة الهرمنيوطيقا).

ومن الأمور الدالة أن هيدجر يحاول أن يشحذ تأملاته بحوار مع شخص ينتمي إلى عالم مختلف تماما؛ شخص ياباني، يمثل هذا الحوار محاولة لفهم أشد التصورات صعوبة واستغلاقا: الجمال، القول، اللغة، وتشيع في هذا الحوار رقة الياباني واستعداده للتفهم والتقبل، وبوسع المرء أن يفهم افتتان هيدجر بشعب يمثل فنه جهدا لترك الوجود يسفر عن وجهه كما هو.

لم يكن اتخاذ محاور ياباني هو المؤشر الوحيد على سعي هيدجر لتجاوز النظرة الغربية الحديثة للعالم، فهو يعلن بصريح العبارة أن على المستمع الجيد أن يضع موضع التساؤل تلك الأفكار الموجهة التي تقوم تحت أسماء «التعبير»، «الخبرة»، «الوعي»، بتحديد الفكر الحديث، إذا كانت هذه التصورات هي ما يشكل «عالم» المرء، فإن هيدجر يريد للهرمنيوطيقا أن تكون «مزلزلة للعالم»، أن تكون هي رسالة جليلة تزعزع أسس الفكر، لا يريد غير تأويل يتخطى التصورات السائدة، تأويل يقوم ب «تحويل للفكر»، ولسوء الحظ تفتقر لفظة

Interpretation

لتلك الدلالة على تناول شيء أجنبي مختلف، بينما تتحلى بذلك كلمة

Hermeneutics

لأنها تشير عادة إلى تفسير نصوص قديمة من لغة أخرى، ومن ثم فهي تؤدي بالضبط معنى الاتصال بشيء مغاير في صميمه ولكنه قابل للفهم رغم ذلك.

من طبيعة هرمس كما قلنا إنه لا ينتمي إلى موضع بعينه وليس له محل إقامة دائم، فهو دائما في الطريق بين هنا وهناك، وعندما يكون المرء في الطريق فهو عرضة لتقلبات الحظ، وحين يعثر المسافر أو التاجر على ثروة مباغتة غير مرتقبة ستكون تلك هبة من هرمس؛ لأنه إله الثراء المفاجئ وضربات الحظ؛ وهو لذلك أصلح من يكون إلها لتأويل النصوص، لأن حل مشكلة تفسيرية ما قد يأتي بتوفيق هرمسي: التأويل ومض مفاجئ، بصيرة مباغتة، والفهم بارقة، والقبض على المغزى حدث خاطف، وهو مثل هرمس، «محايد أخلاقيا»

فهم الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا: نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامر · الصفحة ٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فهم الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا: نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامرص ٦