تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والخاصية الأخرى التي تتحلى بها قصدية الوعي هي أنها تتجه نحو موضوعها وتعنيه بصرف النظر عما إذا كان هذا الموضوع موجودا بالفعل أم غير موجود. إن الأفعال القصدية هي بعينها تلك الأفعال التي يمكنها تناول أشياء غير موجودة، فقد «يعتقد» طفل أو «يتمنى» أن يتحفه بابا نويل بالهدايا، وإن يكن بابا نويل كائنا غير موجود، هذا ما يعبر عنه أحيانا بأن موضوعات الأفعال القصدية يمكن أن يكون لها «لا وجود قصدي»

Intention Al Inexistence .

4

من الحق الذي لا يقبل الشك أن للأفعال الذهنية دائما موضوعا ما، وأن ما يربط الوعي وأفعال الوعي بموضوعاتها القصدية ليس رباطا عرضيا، بل الموضوعات القصدية جزء لا يتجزأ من الفعل الذهني سواء تبين وجود الموضوع أو عدم وجوده، الموضوع القصدي «حال» أو «مباطن» أو «محايث»

Immanent

للفعل الذهني، وعلى العكس من ذلك نجد أن أي فعل جسمي (غير ذهني) يتطلب دائما موضوعا موجودا لكي يؤدي عليه الفعل، مثال ذلك أن أركل كرسيا بقدمي، فهو فعل يستلزم أن يكون ثمة كرسي لكي أركله، بينما «أن أفكر» في كرسي هو فعل لا يتطلب وجود أي كرسي، وحتى الشعور أو المزاج العام من قبيل القلق أو الانشراح، وإن بدا خلوا من أي موضوع قصدي بعينه، لا يشذ في رأي برنتانو عن القاعدة العامة وهي أن القصدية هي ماهية الذهني، فها هنا يكون المزاج نفسه هو الموضوع القصدي، هو «موضوع ذاته».

كل شعور هو شعور بشيء، وبهذه المثابة يمكن وصفه مباشرة، والشعور بشيء هو التضايف المتواصل بين أفعال القصد بجميع أنواعها وبين الموضوع المقصود، من هنا تعد فكرة القصدية بوصفها ماهية الذهني مناوئة لنظرة ديكارت الثنائية إلى العقل باعتباره جوهرا مستقلا قد يوجد بمعزل عن كل موضوع شعوري، ذلك أنه وفقا لدعوى القصدية يعد الفكر (الكوجيتو)

Cogito

وموضوعات الفكر (المفكر فيه)

Cogitatum

وحدة لا انفصام لها.

تقبل هسرل عن أستاذه فكرة القصدية وجعل يستخلص منها نتائج باهرة، منها أن فكرة القصدية تكشف مواطن القصور في المذهب الطبيعي السببي، ذلك أن مجال الشعور وموضوعاته القصدية يقدم حقلا لا يتسنى فيه فهم الارتباطات إلا في ضوء المعنى والتبرير العقلي، وهو ما لا يقبل الرد إلى مجرد تفسيرات سببية أو تفسيرات سيكولوجية ترابطية

Associationist ، إن فهم سلاسل الأفعال الذهنية وموضوعاتها بوصفها معاني (اعتقاد س بسبب اعتقاد ص) يتطلب أن نصف الروابط بينها في حدود التصورات و«المبررات العقلية»

Reasons

والأغراض، وليس في حدود الروابط «السببية»

Causal

أو الآلية للأفعال الذهنية، فالسؤال «ما الذي يبرر اعتقادي اليقيني في أن 1574 = 926846266؟» أو السؤال «لماذا تكره الرجل الذي باعك السيارة؟» يتطلب لا إجابات أو تفسيرات «سببية»

Causal

بل «مبررات عقلية»

Reasons

أو «أدلة»

Evidence ، أي تبريرا عقليا أو منطقيا، صحيح أن هناك مواقف يعتقد فيها المرء شيئا أو يستنبط نتيجة لا تترتب منطقيا وذلك لدواع سيكولوجية سببية، ومواقف أخرى يعتنق فيها الناس، مدفوعين بأسباب سيكولوجية، اعتقادا غير صائب عقليا أو يستخلصون نتيجة لا تترتب منطقيا، غير أن هذا يثبت أن السؤال عن الظروف السببية التي جعلت المرء يعتقد بالفعل اعتقادا معينا هو سؤال مختلف عن السؤال عما إذا كان هناك مبرر عقلي أو منطقي لهذا الاعتقاد.

والحق أن هسرل لم يكن شديد الحرص على إثبات أن القصدية هي السمة المميزة للذهني، ذلك أن ما كان يهمه هو أن عالم الموضوعات القصدية أو المعاني يقيض للفلسفة موضوعا مستقلا للدراسة بمعزل عن، ولا يرد إلى، أي افتراضات سببية طبيعية أوسع حول طبيعة هذه الموضوعات أو وجودها، فنحن في أي حال لدينا موضوعات أو معان نحن على وعي بها ما دام لنا وعي على الإطلاق، ومهما يكن صنف الافتراضات التي نكونها عن طبيعة الواقع فإن من المتيقن أن أفعالنا الذهنية ستكون مسكونة بمحتوى معين أو موضوع مقصود، وأن الأشياء تتبدى لنا على نحو معين، يتضمن الذهني دائما «إحالة» (إشارة)

فهم الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا: نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامر · الصفحة ٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فهم الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا: نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامرص ٥٢