تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هكذا يتجلى صواب دلتاي حين ذهب إلى أن المعنى قد يكون له أنماط مختلفة غير أنه دائما نمط من التماسك أو العلاقة أو القوة الرابطة، إنه ورغم أن المعنى هو مسألة علاقة وسياق، فإن هذا لا يعني أنه «معلق في فراغ» مثل تكوين فني عائم طليق! إنه ليس شيئا مكتفيا بذاته يقف قبالتنا كموضوع، إنه ذلك الشيء غير الموضوعي الذي نموضعه حين نستظهر معنى ما، يقول دلتاي: «ينمو المعنى أساسيا من علاقة الجزء بالكل، تلك العلاقة المتأصلة في طبيعة الخبرة المعاشة.» وبعبارة أخرى فالمعنى داخل في نسيج الحياة، أي في مشاركتنا في الخبرة المعاشة، إنه «المقولة الأساسية الجامعة التي تصبح تحتها الحياة قابلة للفهم»، والحياة، كما قلنا آنفا، ليست شيئا ميتافيزيقيا بل «خبرة معاشة»، في هذه الحقيقة الأساسية، يقول دلتاي قوله المأثور:

الحياة هي العنصر أو الحقيقة الأساسية التي يجب أن تشكل نقطة البداية للفلسفة، إنها تعرف من الداخل، إنها ذلك الشيء الذي وراءه لا يمكن أن نمضي، الحياة لا يمكن أن يزج بها إلى محكمة العقل.

إن منفذنا إلى فهم الحياة هو في موقع أعمق من العقل، فالحياة تصبح قابلة للفهم من خلال موضعتها، ها هنا في مجال الموضوعات يمكن أن يشيد عالم من العلاقات الحقيقية التي يفهمها الأفراد في معرض الخبرة المعاشة، المعنى ليس شيئا ذاتيا، ليس إسقاطا للفكر على الشيء (الموضوع

Object )، بل هو إدراك لعلاقة حقيقية داخل رابطة سابقة على انفصال الذات-الموضوع في الفكر، فأن نفهم معنى هو أمر يتضمن أن ندخل في علاقة حقيقية، وليس علاقة خيالية، مع صور «الروح» المموضعة المنبثة حولنا، إنه مسألة تفاعل متبادل بين الشخص الفرد وبين الروح الموضوعي داخل دائرة تأويلية تفترض مسبقا تفاعل الاثنين معا، المعنى هو الاسم الذي يطلق على مختلف ضروب العلاقات في هذا التفاعل المتبادل.

ولدائرية المعنى نتيجة أخرى بالغة الأهمية للهرمنيوطيقا: فليس هناك، في واقع الأمر، نقطة بدء حقيقية للفهم، ما دام كل جزء يفترض الأجزاء الأخرى مسبقا، يعني ذلك استحالة الفهم «بلا فروض مسبقة»

Pre-Suppositionless

فكل فعل للفهم يتم في سياق أفق معطى، وحتى في مجال العلوم فإن المرء لا يفسر شيئا إلا «بالنسبة إلى» أو «وفقا ل» إطار مرجعي ما، وفي الدراسات الإنسانية فإن الفهم يتخذ «الخبرة المعاشة» كسياق له، والفهم الذي لا يتعلق بالخبرة المعاشة ولا ينتسب إليها ليس فهما ملائما للدراسات الإنسانية (العلوم الروحية

Geisteswissenschaften ) وإنه لمما يبعث على السخرية أن يدعي «الموضوعية» أي تأويل يغفل تاريخية الخبرة المعاشة ويطبق مقولات لا زمانية على موضوعات تاريخية، ذلك أن مثل هذا التأويل قد قام بتحريف الظاهرة منذ البداية.

وحيث إننا نفهم دائما داخل أفقنا الخاص الذي هو جزء من الدائرة التأويلية، فإن من المتعذر وجود أي فهم غير موقفي لأي شيء من الأشياء، فنحن نفهم بواسطة الإحالة الدائمة لخبرتنا، من ذلك يتبين أن المهمة المنهجية التي يتعين على المفسر أن يضطلع بها هي ألا يغمر نفسه كليا في موضوعه (وهو أمر مستحيل على كل حال)، بل أن يجد طرقا ممكنة عمليا للتفاعل المتبادل بين أفقه الخاص وبين أفق النص، وهذه، كما سوف نبين فيما بعد، هي المسألة التي أولاها جادامر انتباها كبيرا: كيف يمكننا أن نحقق، داخل أفقنا الخاص الذي لا مناص من استخدامه، انفتاحا معينا على النص لا يقحم مقدما مقولاتنا الخاصة عليه؟

خلاصة

أهمية «دلتاي» لفلسفة التأويل

أسهم «دلتاي» إسهاما كبيرا في توسيع نطاق الهرمنيوطيقا، وذلك بأن وضعها في سياق التأويل في الدراسات الإنسانية، وقد كان تفكيره التأويلي المبكر قريبا جدا من النزعة السيكولوجية عند شلايرماخر، ولم يتخلص من هذه النزعة إلا بعد جهد وعبر تطور فكري تدريجي؛ لكي يصل إلى تصور للتأويل على أنه منصب على التعبير عن «الخبرة المعاشة» ودون إحالة إلى مؤلفه، غير أنه منذ أن وصل إلى ذلك أصبحت الهرمنيوطيقا، وليس علم النفس، هي أساس الدراسات الإنسانية، وقد حقق دلتاي بذلك هدفين من أهم أهدافه الكبرى: فهذا التصور أولا قد ركز مشكلة التأويل على شيء له وضع ثابت ودائم وموضوعي، وبذلك أمكن للدراسات الإنسانية أن تأمل في بلوغ معرفة ذات صواب موضوعي، ما دام موضوعها ثابتا في ذاته إلى حد ما، ومن الواضح ثانيا أن هذا الموضوع يدعو إلى طرق للفهم «تاريخية» لا علمية؛ إذ يتعذر أن يفهم إلا من خلال الإحالة إلى الحياة ذاتها بكل ما تتصف به من تاريخية وزمانية، ومن المحال النفاذ، بعمق متزايد على الدوام، إلى معنى تعبيرات الحياة، إلا من خلال الفهم التاريخي.

فهم الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا: نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامر · الصفحة ٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فهم الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا: نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامرص ٤١