يرى «دلتاي» أن عمليات الفهم تحدث في إطار مبدأ «الدائرة التأويلية»
Hermeneutical Circle
الذي صرح به آست وشلايرماخر من قبل، ومفاده أن «الكل» يأخذ دلالته ومعناه من «الأجزاء»، و«الأجزاء» في الوقت نفسه لا يمكن فهمها إلا بالإحالة إلى «كل»، والكلمة المحورية هنا هي كلمة «المعنى»
Meaning
فالمعنى هو ذلك الذي يظفر به الفهم في عملية التفاعل الجوهري المتبادل بين الكل والأجزاء.
وكما أشرنا من قبل، فإن «الجملة» اللغوية تقدم لنا مثالا واضحا على التفاعل المتبادل بين الكل والأجزاء وعلى أهمية الطرفين في عملية الفهم: فنحن من معنى الأجزاء نظفر بفهم لمعنى الكل الذي يغير بدوره حالة اللاتحديد في الكلمات المفردة إلى نمط ثابت وذي معنى، يورد دلتاي هذا المثال ثم يصرح بأن العلاقة نفسها توجد بين الكل والأجزاء في حياة المرء، فمعنى الكل مستمد من معنى الأجزاء، ومن الممكن لحدث أو خبرة أن تغير حياتنا بحيث يصبح ما كان ذا معنى من قبل شيئا لا معنى له، وبحيث تأخذ خبرة ماضية هينة معنى عظيما بأثر رجعي، إن معنى الكل يحدد معنى الأجزاء ووظيفتها، والمعنى هو شيء تاريخي، إنه علاقة كل بأجزاء، ونحن نرى هذه العلاقة من وجهة نظر معينة في زمن معين بالنسبة لتجمع بعينه من الأجزاء، إنها ليست شيئا عاليا على التاريخ أو خارجا عنه بل جزء من دائرة تأويلية محددة تاريخيا بصفة دائمة.
المعنى إذن أمر «سياقي»
Contextual ، إنه جزء من الموقف، من ذلك أن معنى عبارة «جئت لأسلم على مليكي وسيدي» أو «جئت لأقول لمليكي ومولاي»: (1)
الخادم القديم في «بستان الكرز». (2)
التابع الخاص في «فاوست». (3)
سمردياكوف في «الإخوة كرامازوف». (4)
كنت في «الملك لير».
ولننظر - الآن - بإيجاز إلى معنى هذه الجملة في سياقها، في المشهد الأخير من مسرحية «الملك لير»، بعد أن انتهت المعركة وبعد أن سقط إدموند وجعل يلهث محتضرا، يدخل المخلص كنت، ويعبر عن ولائه العظيم بكلمات استئذان بسيطة ومؤثرة، فأي عالم من المعنى تفصح عنه كلمة «سيد» (مولى)
Master
هنا! إننا لا نسمع فيها علاقة كنت بلير فحسب، بل نسمع، برجع الصدى، تيمة الولاء البسيط في النظام التراتبي للأشياء، بالطبع هذه الكلمات تتجاوز مجرد التعبير عن كنت وعلاقته بلير، إن لها دلالة عملية فاعلة؛ لأن هذه الجملة البسيطة متبوعة مباشرة بالسؤال «أليس هو هنا؟» الذي يفجر النهاية المأساوية للمسرحية، ويتركز الانتباه على الفور إلى الغياب المشئوم لليروكورديليا، والذي يدفع إدموند إلى أن يخبرهم بأنه قد أمر بالقضاء على حياتهما، وأن يقوم بمحاولة غير مجدية لإلغاء الأمر، هنالك يدخل «السيد» العجوز، سيدا الآن على نفسه وليس سيدا على الأحداث التي جرها فشله في السيادة الحقيقية، يدخل حاملا على ذراعيه الكنز الذي ازدراه يوما ما وألقاه عنه على أنه هباء (كورديليا)، فما أهول التغير الذي اعترى معنى «الحب» و«الولاء» عند لير خلال المسرحية! وشد ما غيرت الأحداث معنى قراره بتقسيم مملكته!
10
المعنى شيء تاريخي، لقد تغير الزمن، إنه مسألة علاقة، فهو دائما مرتبط بمنظور ترى منه الأحداث، المعنى ليس شيئا ثابتا صلبا، حتى «معنى» الملك لير كمسرحية يتغير، فمعناها عندنا بعد زوال العالم الطبقي الربوبي وفي سياق اجتماعي مغاير تماما لا بد أنه مختلف عما كان عليه لدى معاصري شكسبير، إن تاريخ التفسيرات المسرحية لشكسبير لتظهر لنا أن هناك شكسبير للقرن السابع عشر، وشكسبير للقرن الثامن عشر وآخر للتاسع عشر، ورابعا للقرن العشرين، تماما مثلما أن هناك صيغة أرسطية لأفلاطون وهناك أفلاطون المسيحية المبكرة وأفلاطون العصر الوسيط وأفلاطون القرن السادس عشر وحتى أفلاطون القرن العشرين، فالتفسير دائما يقف في الموقف نفسه الذي يقف فيه المفسر نفسه، إن المعنى يتوقف على ذلك مهما بلغ اكتفاؤه الذاتي الظاهري داخل مسرحية أو قصيدة أو حوار.