العمل الفني - بطبيعة الحال - يتخطى في مرونته ووثوقه مجرد الإيماء أو الهتاف بما لا يقاس، فالإيماءات يمكن تزييفها، أما الفن فهو يشير إلى الخبرة ذاتها أو يعبر عنها ولذلك فهو بمأمن من التزييف: «في الأعمال الفنية العظيمة تنبت رؤية ما عن خالقها (الشاعر أو الفنان أو الكاتب) فنرتحل إلى عالم ليس فيه خداع ممن يعبر، ليس هناك عمل فني حقيقي يحاول أن يعكس واقعا مخالفا للمحتوى الباطن لمؤلفه، وحقيقة الأمر أن العمل الفني لا يريد أن يقول أي شيء على الإطلاق عن مؤلفه، بل يقف هناك: حقا في ذاته، ثابتا، مرئيا، باقيا.»
لم يعد مكان لمشكلة التزييف الموجودة في الإيماءات وفي أي فعل بشري أو موقف بشري تصطرع فيه المصالح، «ذلك أن العمل الفني لا يشير إلى مؤلفه على الإطلاق بل إلى الحياة ذاتها.» ولهذا السبب بالتحديد فإن العمل الفني هو أكثر موضوعات الدراسات الإنسانية وثوقا وثباتا وخصوبة، بهذا الوضع الثابت والموضوعي يصبح الفهم الفني الوثيق للتعبير أمرا ممكنا، «هكذا تبزغ في الحدود القائمة بين المعرفة والفعل حلقة أو عالم تفصح فيه الحياة عن نفسها بعمق غير متاح في الملاحظة أو التأمل أو النظرية.»
ولعل الأعمال الفنية المتجسدة في اللغة (الأدب) هي بين جميع الأعمال الفنية أعظمها قدرة على كشف الحياة الباطنة للإنسان، وبسبب وجود هذه الموضوعات الثابتة الباقية (الأعمال الأدبية في هذه الحالة) فقد ظهر بالفعل حشد من النظريات حول تفسير النصوص هو الهرمنيوطيقا، يؤكد «دلتاي» أن مبادئ الهرمنيوطيقا يمكن أن تهدي إلى نظرية عامة في الفهم، ذلك أنه «فوق كل شيء فإن فهم بنية الحياة الباطنة يقوم على تفسير الأعمال، الأعمال التي تعبر عن نسيج الحياة الباطنة تعبيرا كاملا.» هكذا تأخذ الهرمنيوطيقا عند دلتاي دلالة جديدة أكبر مما أخذته في السابق؛ إذ تصبح نظرية غير مقتصرة على مجرد تفسير النصوص، بل نظرية في كيف تكشف الحياة عن ذاتها وتعبر عن نفسها في الأعمال.
غير أن التعبير في هذه الحالة ليس تعبيرا عن واقع فردي وشخصي محض؛ لأنه عندئذ يتعذر فهمه من جانب شخص آخر، عندما يأخذ التعبير شكل الكتابة فإنه يستعمل اللغة، وهي وسيط مشترك بين الكاتب والمتلقي، وبالمثل فإن الخبرة هي شيء مشترك بين القائل والمستمع، فالفهم يأتي في حقيقة الأمر بفضل تماثل الخبرة، هكذا يمكننا أن نفترض وجود بناءات عمومية يحدث الفهم الموضوعي فيها ومن خلالها، التعبير إذن ليس تعبيرا عن شخص على الإطلاق كما تذهب النزعة السيكولوجية، بل عن واقع اجتماعي-تاريخي يكشف عن نفسه في الخبرة، ذلك هو الواقع الاجتماعي-التاريخي للخبرة ذاتها.
8 (3-3) الفهم
Understanding
لكلمة «الفهم»، شأنها شأن الكلمتين المفتاحين الآخرين في صيغة دلتاي «الخبرة-التعبير-الفهم»، معنى خاص يختلف عن معناها في الاستعمال الدارج، فهي لا تشير إلى فهم تصور عقلي مثل مسألة رياضية مثلا، بل يدخر دلتاي كلمة «فهم» لكي يسمي بها تلك العملية التي فيها يقوم العقل بفهم عقل شخص آخر، إنها ليست عملية معرفية خالصة على الإطلاق، بل هي تلك اللحظة الخاصة حيث الحياة تفهم الحياة، «إننا نفسر
Explain
بواسطة عمليات فكرية محضة، ولكننا نفهم
Understand
بواسطة النشاط المشترك لجميع القوى الذهنية في الإدراك.» ويعبر دلتاي عن هذه الكفرة في عبارته المحكمة الشهيرة: «نحن نفسر الطبيعة، أما الإنسان فينبغي علينا أن نفهمه.» الفهم إذن هو العملية الذهنية التي يتم لنا بواسطتها إدراك الإنسانية الحية، إنها الفعل الذي يشكل أفضل اتصال لنا بالحياة ذاتها، وللفهم
Understanding ، شأنه شأن الخبرة المعاشة
Erlebnis ، امتلاء معين يند عن التنظير العقلي.
يفتح لنا الفهم عالم الأشخاص الفرديين، وهو بذلك يفتح لنا أيضا الاحتمالات الكامنة في طبيعتنا نحن، ليس الفهم مجرد فعل فكري، وإنما هو انتقال وإعادة معايشة العالم كما يجده شخص آخر في الخبرة المعاشة، وليس الفهم عملية مقارنة واعية تأملية، بل عملية تفكير صامت يتم فيها انتقال المرء بطريقة سابقة على التأمل إلى دخيلة الشخص الآخر، إن المرء ليعيد اكتشاف نفسه في الشخص الآخر.