6 (3-2) التعبير
Expression
وهو الحد الثاني في صيغة دلتاي التأويلية «الخبرة-التعبير-الفهم»، ومن الضروري الانتباه إلى أن استخدام دلتاي لهذا المصطلح ينبغي ألا يلحقه آليا بالنظريات التعبيرية في الفن، ذلك أن هذه النظريات مصوغة في حدود نموذج الذات-الموضوع، فنحن مثلا نصل لفظة «تعبير» بشكل شبه آلي «بالمشاعر»: نحن «نعبر» عن مشاعرنا، ونظرية التعبير في الفن ترى العمل الفني على أنه تمثيل رمزي للمشاعر، وشاعر مثل وردزورث (وهو من دعاة نظرية التعبير في الخلق الشعري) ينظر إلى القصيدة على أنها تدفق تلقائي لمشاعر عارمة.
أما «دلتاي»، فهو حين يستخدم لفظة «تعبير»
Ausdruck
فهو لا يشير إلى تدفق ولا شعور، بل إلى شيء أعم وأشمل بكثير، التعبير عند دلتاي لس بالدرجة الأولى تجسيدا لمشاعر شخص واحد بل هو «تعبير عن الحياة»، يمكن للتعبير أن يشير إلى فكرة، قانون، شكل اجتماعي، لغة، أي إلى أي شيء يعكس بصمة الحياة الداخلية للإنسان، التعبير إذن ليس مجرد رمز للشعور.
وربما أمكننا ترجمة لفظة
Ausdruck
لا إلى «تعبير»، بل إلى «موضعة»
Objectification
العقل الإنساني (المعرفة، والشعور، والإرادة)، أما الدلالة التأويلية للموضعة فهي أن بفضلها يمكن للفهم أن يركز على تعبير «موضوعي» ثابت للخبرة المعاشة بدلا من محاولة الإحاطة به من خلال الاستبطان، فالاستبطان
Introspection
لا يمكن أن ينهض كأساس للدراسات الإنسانية، فقد أدرك دلتاي أن التأمل المباشر في الخبرة يؤدي إما إلى: (1) حدس لا يمكن إيصاله، وإما إلى (2) تصور هو ذاته تعبير عن الحياة الداخلية، الاستبطان إذن طريقة غير مأمونة لا إلى معرفة النفس ولا إلى معرفة الإنسان في الدراسات الإنسانية، فالدراسات الإنسانية ينبغي بالضرورة أن تنصب على «تعبيرات الحياة»
Expressions of Life
فهذه الدراسات؛ إذ تنصب على موضعة الحياة هي دراسات تأويلية في صميمها، ولكن على أية أنواع من الموضوعات يمكن للدراسات الإنسانية أن تنصب؟ لقد كان دلتاي محددا تماما في مسألة مجال الدراسات الإنسانية ونطاقها: «أيما شيء موضعت فيه روح الإنسان فهو يقع في نطاق العلوم الروحية.» إن محيط هذه الدراسات واسع بقدر سعة الفهم، والفهم يجد موضوعه الحقيقي في موضعة الحياة ذاتها.
7 (أ) العمل الفني بوصفه موضعة للخبرة المعاشة
إذا كان نطاق الدراسات الإنسانية بهذا الاتساع، فأين يقع فهمنا للعمل الفني، ولا سيما العمل الفني الأدبي؟
يصنف دلتاي المظاهر المختلفة للحياة أو الخبرة الداخلية للإنسان (الحياة عند دلتاي ليست شيئا ميتافيزيقيا، ليست مصدرا عميقا وراء الخبرة المعاشة نفسها، فالخبرة الإنسانية هي ذلك الشيء الذي وراءه لا يصح ولا ينبغي للتأمل أن يمضي) إلى ثلاثة أصناف كبرى: (1) الأفكار
Ideas (أي المفاهيم والأحكام، والصور الكبرى للفكر) «مجرد مضمون فكري» وهي مستقلة عن الشخص والمكان والزمان الذي يظهر فيه؛ وهي لذلك على درجة من الدقة وسهولة الإيصال. (2) الأفعال
Actions
وهي أصعب في التأويل؛ لأن في كل فعل هناك غرض محدد، ولكن ليس بغير صعوبة كبيرة يمكننا تحديد العوامل التي أثرت في القرار الذي أدى إلى الفعل، القانون على سبيل المثال هو فعل عمومي يشمل المجتمع كله، ولكن تسري عليه نفس الصعوبة، فليس بالإمكان مثلا معرفة ما كان يراد من القانون أن يضبط عندما تم وضعه. (3) وهناك أخيرا «تعبيرات عن الخبرة المعاشة»
Expressions of Lived Experience ، وهي تمتد من التعبيرات التلقائية عن الحياة الباطنة كالهتاف والإيماء إلى التعبيرات التي تمليها الروية والتحكم الواعي والمتجسدة في «الأعمال الفنية».
يشير «دلتاي» - بصفة عامة - إلى التصنيفين الأولين، الأفكار والأفعال، على أنهما «مظاهر الحياة»، أما الثالث فقد كان أميل إلى أن يدخر لها المصطلح الأكثر تخصيصا «تعبيرات الخبرة المعاشة»، في هذه الفئة الثالثة تجد الخبرة الإنسانية الداخلية أكمل تعبير، وفيها يواجه الفهم أكبر تحد، يقول دلتاي: «تختلف تعبيرات الخبرة المعاشة اختلافا تاما عن الأفكار والأفعال، ثمة علاقة خاصة بينها كتعبير عن الحياة ذاتها وبين الفهم الذي يحدثها ويأتي بها، بوسع التعبير أن يتضمن من سياق الحياة الباطنة أكثر مما يمكن لأي استبطان أن يدرك، ذلك أن التعبير ينبع من أعماق لا يضيئها الوعي على الإطلاق.»