لا يقتصر عمل دائرة الهرمنيوطيقا - إذن - على المستوى اللغوي، بل تعمل أيضا على مستوى «المادة» المقدمة أو المضمون الفكري، ولا بد لكل من المتحدث والمستمع أن يلتقيا على صعيد واحد ويشتركا في لغة القول وموضوعه أيضا، فمبدأ المعرفة المسبقة يعمل على كلا المستويين: لغة الحديث (أو وسيطه الحسي) ومادة الحديث أو موضوعه، في كل فعل من أفعال الفهم. (1) التأويل اللغوي والتأويل السيكولوجي
ثمة اتجاه متزايد في تفكير «شلايرماخر» المتأخر إلى الفصل بين مجال اللغة ومجال الفكر، أما اللغة فيختص بها التأويل اللغوي، وأما مجال الفكر فقد أسماه المجال التقني ثم أسماه المجال السيكولوجي فيما بعد، فالتأويل اللغوي يضطلع بتحديد المعنى وفقا لقوانين موضوعية وعامة، بينما يركز الجانب السيكولوجي من التأويل على ما هو ذاتي فردي، يقول «شلايرماخر»: «بالضبط كما أن لكل حديث علاقة مزدوجة باللغة كلل وبجماع تفكير المتحدث، كذلك هناك في كل فهم لحظتان: فهم للحديث بوصفه شيئا مستمدا من اللغة، وفهمه بوصفه «واقعة» في تفكير المتحدث.» تنتمي اللحظة اللغوية إلى التأويل اللغوي وتعد إجراء سلبيا وعاما يفرض حدودا ويقدم البنية التي يعمل الفكر في إطارها، وأما التأويل السيكولوجي فيرمي إلى فرادة المؤلف وعبقريته الخاصة، وهو من أجل ذلك يتطلب اندماجا وجدانيا بالمؤلف ولا يفرض حدودا ويعد الشق الإيجابي بحق في عملية التأويل.
لا شك أن كلا جانبي التأويل ضروري وهام وأنهما في تفاعل دائم في حقيقة الأمر، فالاستخدامات الفردية للغة تحدث تغييرات في اللغة ذاتها، غير أن المؤلف نفسه بإزاء لغة لا بد له من أن يضع بصمته الفردية عليها، وإذا كان المفسر يفهم الطابع الخاص للمؤلف بالإحالة إلى العام فهو أيضا يفهمه بطريقة إيجابية ومباشرة وحدسية، ومثلما أن دائرة الهرمنيوطيقا تتضمن الجزء والكل، كذلك التأويل اللغوي والسيكولوجي كوحدة واحدة يتضمن هو أيضا الخاص والعام، هذا الصنف من التأويل هو عام وواضع حدود وهو خاص وإيجابي في الوقت نفسه، يضطلع التأويل اللغوي بإيضاح العمل في علاقته باللغة، وذلك من حيث بناء عباراته وتفاعل أجزائه ومن حيث علاقته بالأعمال الأخرى التي تنتمي إلى نفس الجنس الأدبي، ووفقا لمبدأ الجزء والكل الذي أشرنا إليه آنفا، وينبغي بنفس الطريقة أن ننظر إلى فرادة المؤلف والعمل في سياق الحقائق الأكبر لحياته وبالمقارنة بحياة غيره وبأعمالهم، هكذا يتبين أن مبدأ التفاعل والإضاءة المتبادلة بين الجزء والكل هو مبدأ أساسي لشقي التأويل كليهما.
وهكذا يتجلى هدف التأويل كما يراه «شلايرماخر»، وهو إعادة بناء الخبرة الذهنية لمؤلف النص، لقد كان يصبو إلى إعادة معايشة ما عايشه المؤلف وألا ينظر في قول من الأقوال بمعزل عن قائله، ومن الجدير بالذكر رغم ذلك أن هذه المعايشة الثانية ليست بالضرورة «تحليلا نفسيا» للمؤلف، بل هي مجرد تذكير بأن الفهم هو فن إعادة بناء التفكير الخاص بشخص آخر، وبعبارة أخرى أن غايتنا ليست تحديد دوافع المؤلف السيكولوجية أو بواعث شعوره، بل إعادة تشييد الفكر نفسه الخاص بشخص آخر من خلال تأويل حديثه.
والحق أن إعادة بناء فردية المؤلف لا يمكن أن تتم بتحليل أسبابه ودوافعه، فهذا التحليل يظل عاما بدرجة محبطة، أما التأويل السيكولوجي فيتطلب معالجة حدسية بالدرجة الأساس، وإذا كان المدخل اللغوي يستخدم منهجا مقارنا ويتقدم من العام إلى خصوصيات النص، فإن المدخل السيكولوجي يستخدم كلا المنهجين: المقارن والاستشفافي
Divinatory ، والاستشفاف هو أن يضع المرء نفسه موضع الشخص الآخر كيما يفهم فرديته بشكل مباشر، لكأنما هو يخرج من ذاته ويتحول إلى المؤلف نفسه وبذلك يقف على العملية الذهنية لهذا الأخير بمباشرة تامة، على أن الغاية ليست في النهاية أن نفهم المؤلف من الوجهة السيكولوجية، بل أن نجد أقوم السبل، وننفذ أبلغ نفاذ، إلى ذلك الذي يعنيه النص ويقصده. (2) الفهم التأويلي بوصفه فهما للأسلوب