من الواضح أن مفهوم «دائرة التأويل» ينطوي على تناقض منطقي (أو «مفارقة»
Paradox
إن شئت الدقة): فإذا تعين علينا أن نفهم الكل لكي نفهم الأجزاء، فلن يتأتى لنا أن نفهم أي شيء، غير أننا قلنا إن الجزء يستمد معناه من الكل، ومن المؤكد من الجهة الأخرى أننا لا يمكن أن نبدأ من الكل غير المتميز إلى أجزاء! وإذا كان الأمر كذلك ألا يعد مفهوم دائرة الهرمنيوطيقا مفهوما ممتنعا ومستحيلا؟ بالطبع هو مفهوم ممتنع إذا كنا نفكر في الأمور تفكيرا خطيا مستقيما ، غير أن المنطق الخطي يعجز عن تقديم شرح مقنع لعمل الفهم، أما وجه الأمر فهو أن هناك «قفزة» تحدث إلى داخل دائرة التأويل، وأننا في الحقيقة نفهم الكل والأجزاء معا، فالفهم عملية إحالية مقارنة من جهة، وحدسية استشفافية من جهة أخرى، ولكي تعمل دائرة التأويل على الإطلاق فهي تفترض بالضرورة عنصرا حدسيا.
وقد أدرك المفكرون منذ القدم فكرة الاعتماد المتبادل بين الكل والجزء في عملية الفهم وما ينطوي عليه ذلك من مفارقة ظاهرة، وذهب أصحاب المذهب العقلي
Rationalists
إلى ضرورة وجود شيء من المعرفة الفطرية لكي تكون المعرفة ممكنة على الإطلاق؛ إذ يبدو من المعقول أن الإنسان يلزمه أن يكون عارفا بشيء ما لكي يتعلم شيئا آخر، بينما البدء من الصفر ثم تعلم كل شيء من التجربة هو أمر لا يسيغه العقل، وللغوي المعاصر نوام تشومسكي جهود لإثبات ذلك في مجال اللغة،
2
ومن المفارقات الشهيرة في الفلسفة ما يعرف باسم «مفارقة التعلم»
Learning
Paradox ، وتعني أننا إذا كنا لا نفقه شيئا على الإطلاق فلن يمكننا أن نبدأ في تعلم هذا الشيء، ما دمنا لا نعرف ما يكفي لأن نعرف كيف نبدأ! وقد كان أفلا
Anamnesis
في محاورة «مينون»
Meno
كانت حله المقترح لهذه المفارقة (بالإضافة إلى استخدامها في محاولة إثبات خلود النفس)، في هذه المحاورة تعد عملية التعلم «تذكرا» لأشياء سبق تعلمها في حياة سابقة ثم نسيت، وفيها نجد سقراط يحاول إثبات ذلك عن طريق توجيه الأسئلة إلى صبي من عبيد مينون لم ينل أي قسط من التعليم، وينجح بطريقته السقراطية المعتمدة على مجرد توجيه أسئلة بسيطة في أن يستخلص من الصبي كيفية تكوين مربع تساوي مساحته ضعف مساحة مربع معلوم، كما نجد لهذه الأفكار المستغربة صيغة معاصرة في فلسفات اللغة التي تنظر إلى الطفل الرضيع بوصفه «لغويا صغيرا» عليه أن يترجم اللغة التي تكتنفه في مسقط رأسه إلى ذلك الوسيط الأصلي المفطور الذي لا يقل ثراء مفاهيميا عن اللغة التي يلقنونه إياها.
لا يسع المرء حين يأخذ هذه النظرية الأفلاطونية بمعناها الحرفي سوى أن يستنكرها ويستغرب مضمونها، غير أن بوسعه أيضا أن «يؤولها» ويفهمها بمعنى أقل حرفية على أنها تعني أن معرفة حقيقة جديدة يقتضينا أن نعيد تجميع ما نعرفه أصلا ونسلكه في هذا السياق الكلي.
ومن الحق أن دائرة الهرمنيوطيقا تومئ إلى منطقة من الفهم المشترك، فما دام كل تواصل هو علاقة حوارية فهو يفترض منذ البداية وجود معنى مشترك بين المتحدث والمستمع، قد ينطوي ذلك بدوره على تناقض آخر: فالشيء المطلوب فهمه لا بد أن يكون معروفا من الأصل! ولكن أليس هذا هو الحق؟! أليس من العبث أن تتحدث عن الحب إلى شخص لم يعرف الحب في حياته، أو تتحدث عن مباهج المعرفة إلى أولئك الذين يرفضونها؟ إن المرء لا بد أن يكون على معرفة بدائية ما بالموضوع الذي هو بصدد تعلمه، ولا بد أن يكون قد توفر على حد أدنى من المعرفة المسبقة الضرورية للفهم والتي بدونها يتعذر عليه أن يقفز إلى داخل الدائرة التأويلية، ولدينا مثال واضح على هذه الظاهرة فيما نجده من غموض واستغلاق لدى القراءة الأولى لكتاب عظام مثل: كيركجارد ونيتشه وهيدجر، فالمشكلة هنا هي أن فهم كتابات هؤلاء يتطلب إلماما بالاتجاه العام لفكر الكاتب، وبدون هذا الإلمام العام يتعذر فهم أقوالهم الجزئية، بل يتعذر استخلاص معنى واضح من أعمالهم الكاملة، ولا يعدم القارئ رغم ذلك لحظات عابرة يقع فيها على عبارة مفردة تضيء له كل ما كان مستغلقا عليه من قبل كأنها البارقة الخاطفة، ذلك أنها تومئ إلى ذلك «الشيء الكلي» الذي كان المؤلف يتحدث عنه.