7
ومن الملاحظات المثيرة أنه بينما يتفق كل من يان رامزي (
Ian Ramsay
الذي أخذ عنه ريكور نموذجه الاستعاري «كمثل/ليس كمثل» واستخدمه في تأويليته الخاصة) وريكور حول وجود توتر مقصود مدخل في الحكاية الرمزية بواسطة «المقيد»
Qualifier ، فقد خلص كل منهما إلى نتيجة جد مختلفة بصدد وظيفة «المقيد» في الحكاية الرمزية: أما رامزي فيرى أن وظيفة المقيد هي أن يؤدي، بواسطة عملية منطقية، إلى «الله» الكلمة التي «تكمل» و«تترأس» على اللغة كلها، وأما ريكور فيرى أن وظيفة «المقيد» هي أن يمزق المنطق الخاص بالسرد ويشده القارئ أو المستمع، وبينما يتفق الاثنان على أن «المقيد» هو الوسيلة التي تدفع بها اللغة إلى حدها وقيدها، فقد دعا رامزي إلى نسق مغلق من الهرمنيوطيقا بينما نادى ريكور بنسق مفتوح.
إن التناول الجدلي للنص عند ريكور، بالإضافة إلى رغبته في تجنب الانحياز المطلق إلى جانب النص أو إلى جانب الذات المفسرة، هو ما أفضى به إلى «انفتاح» صميم فيما يتعلق بمعنى الحكاية الرمزية، بل فيما يتعلق بمعنى كل النصوص المكتوبة التي تفصل بيننا وبينها فجوة أو بون، وهو في غمرة اهتمامه بالعثور على المعنى لا في النص نفسه بل أمام النص، فقد فتح مجالا لنسبية لا مفر منها لرسالة النص، فإذ بتغير سياق القارئ كذلك يتغير العالم القابع أمام النص، وهكذا يسمح ل «ليس كمثل» أن تسود على حساب «كمثل». يريد ريكور أن يحافظ على التوتر، غير أنه في الواقع الفعلي ينفرج التوتر في النهاية لصالح «المعنى الجديد» المتولد في الأفق الحادث بين القارئ والنص، ويصير الأمر، بشكل لا مرد له، إلى اضطراب وتقلقل في رسالة النص مصحوب بنسبية تلك الرسالة.
ولكن إذا كانت بعض نصوص الإنجيل تهيب حقا باستجابة القارئ فإن هذه الاستجابة يجب أن تكون مسترشدة، بل محددة، بالنص نفسه لا بالقارئ، إن النص هو الذي يحكم الاستجابة المناسبة من جانب القارئ، وما كان للقارئ أن يستجيب للنص كيفما اتفق، أضف إلى ذلك أن هناك كثيرا من النصوص لا تهيب باستجابة القارئ إلا قليلا، مثل النصوص التاريخية، ومثل النصوص التعليمية كرسائل بولس. القارئ هنا ليس حرا في أن يؤسس معنى جديدا أمام النص على أساس التفاعل الدينامي بين الطرفين، ثمة معنى محدد يتأبى على تعددية المعنى التي ترتكز على استجابة القارئ، وفي ذلك يقول ثيسلتون: «... إلا أن هذه الاعتبارات (المتعلقة بمعطيات النصوص الإنجيلية) تضع علامات استفهام خطيرة ضد النظريات التي تحاول الاستغناء تماما عن المؤلفين أو عن السياقات غير اللغوية للموقف.»
إن هرمنيوطيقا الارتياب عند ريكور هي في الحقيقة مفتوحة أكثر مما يجب، وهي تعمل كدائرة تأويلية أبدية، ولا تدرك أن بوسعنا تأسيس طرائق تأويلية تؤدي لا إلى دائرة لا نهاية لها، بل إلى «لولب» ينتهي بمعنى محدد مطابق للمعنى الذي قصده المؤلف ورمى إليه وعناه، معنى من حقنا أن نبحث عنه وأن نجده. (2-3) الارتياب والإبستمولوجيا
مثلما أدت هرمنيوطيقا الارتياب بريكور إلى أن يحرص على الإبقاء على التوتر بين السيادة المطلقة للقارئ والسيادة المطلقة للنص في عملية استخلاص المعنى، كذلك يمكننا رؤية ظلال هذه الهرمنيوطيقا نفسها بصدد السؤال عن المنهج في عملية اكتساب المعرفة، إن ريكور «ليرتاب» في أية أبستمولوجيا تعتمد بصورة حصرية على «التفسير»
Explanation
من جهة أو على «الفهم»
Understanding
من جهة أخرى.
نشأ هذا التمييز كما سبق أن أوضحنا في غير موضع في الخلافات التي دارت رحاها في القرن التاسع عشر حول مفهوم المعرفة والوسائل الكفيلة باكتسابها، فكان الجناح الوضعي يرى أن «التفسير»
Explanation
الذي يصطنع المنهج العلمي الوضعي هو الكفيل بتأويل الظواهر، بينما ذهب أنصار الإنسانيات إلى أن التفسير العلمي الوضعي لا يملك تقديم وصف شامل للواقع الإنساني وتأويل سديد للخبرة البشرية، ودعوا إلى تأسيس نظرية في الفهم تقيض للأهداف الغائية وللشعور والتخيل دورا مشروعا في المعرفة الإنسانية.