تتجلى هرمنيوطيقا الارتياب عند ريكور في فهمه للاستعارة
Metaphor
على أنها توتر أو شد، يرى ريكور أن في صميم الاستعارة يقبع عنصر إثبات وعنصر نفي، عنصر «كمثل»
Is Like
وعنصر «ليس كمثل»
Is Not Like ، يشير العنصر الأول إلى الناقل الحرفي المستخدم لتوصيل الاستعارة، بينما يدل الأخير على أن «المشار إليه» أو «المرجع»
Referent
في الاستعارة لا ينبغي التماسه في الألفاظ الحرفية، هذا «التوتر» من شأنه أنه يسقط «عالما أمام النص»، هذا «العالم» المسقط هو «المشار إليه»
Referent
الحقيقي للاستعارة، ويرى ريكور أن معنى الاستعارة وإشارتها هما شيء في انتظار أن يتملكه القارئ الراهن من خلال عملية إضفاء القرينة أو السياق التي يضطلع بها من جديد كل قارئ للنص.
6
بهذا التفاعل مع العالم البازغ أمام النص يلتمس ريكور «إيمانا استعاريا»
Metaphor-Faith
يتجاوز نزع الأسطورة
Demtyhol Gizing ، وبراءة ثانية
Second Naivet
تتجاوز تحطيم الأصنام
Iconoclasm (توكيد على عنصر «كمثل»
is like ) غير أنه يلتمس في الوقت نفسه التوكيد على الجانب النقدي «ليس كمثل»، وبذلك يجعل تأويليته نسقا مفتوحا يتجنب أي تصديق ساذج، هذا التوتر بين قطبي الإثبات والنفي، «كمثل» و«ليس كمثل»، يتجلى في مجالات ثلاثة: (1) داخل اللغة الشعرية (2) بين تأويلات هذه اللغة (3) بين هذه التأويلات وبين حياة القراء أو المستمعين. وتجد هذه التوترات انفراجا في اللحظة الحاضرة عن طريق خلق معان جديدة و«مشار إليه» جديدة.
ويحدد ريكور «التعبيرات المقيدة»
Limit Expressions
حيث ينطبق التوتر الداخلي للاستعارة في أوضح صورة، هذه «التعبيرات المقيدة» تشمل الأمثال
Proverbs
والأخرويات (ما ورد في أمور الآخرة أو ما قيل عن الساعة)
Escatological Sayings
والحكايات الرمزية
Parables
وحين يطبق ريكور هرمنيوطيقا الاستعارة على الحكايات الرمزية يجد عنصر «كمثل» قائما في الصيغة السردية للحكاية (النموذج)
The Model ، ويجد عنصر «ليس كمثل» قائما في الطريقة التي تنتهك بها الصيغة السردية (المقيد)
The Qualifier
بتدخل «الغرائبي» و«الخارق» وربما «الفاضح»! هذا الازدواج التكويني يفضي إلى التوتر فيما بين «انغلاق» الشكل السردي وبين «انفتاح» العملية الاستعارية، ومرة ثانية يؤدي التوتر إلى إسقاط عالم أمام النص، أي بين القارئ/المؤول وبين النص نفسه، وبه ينكشف «المشار إليه» الخاص بالحكاية ويخرج إلى واضحة النهار، هكذا يتبين أن تعريف ريكور للحكاية الرمزية
Parable
على أنها «ربط بين شكل سردي، عملية ميتافيزيقية، وبين «مقيد»
Qualifier
ملائم» هو تعريف متسق مع كل من تأويليته الارتيابية ككل وفهمه الخاص لكيفية عمل الاستعارة.
والآن بعد أن بينا مدخل ريكور إلى الاستعارة، وبصفة أخص إلى الحكاية الرمزية كجنس أدبي، يمكننا اقتفاء أمور كثيرة، بوسعنا أولا أن نتبين أن استبصار ريكور الخاص بازدواجية الاستعارة بوصفها تتضمن وجها مألوفا ووجها آخر يتخطى المألوف هو استبصار مفيد لنا في مواطن كثيرة، ولعل لوثر الذي أصر على تفسير «كلوا ... هذا لحمي، اشربوا ... هذا دمي» تفسيرا حرفيا، لعله كان قمينا أن يغير رأيه في ضوء نظرية ريكور في الطبيعة الثنائية للاستعارة، ولعل الكثيرين من شراح «سفر الرؤيا»
Revelation
كانوا حقيقين أيضا بالإفادة من فهم ريكور للاستعارة، كذلك يعد تطبيق ريكور لهذا المبدأ على الحكاية الرمزية هو تطبيق مفيد غاية الفائدة؛ فكثير من الحكايات الرمزية تتسم فعلا ببنية «النموذج/المقيد»
Model/Qualifier ، مما يهيب بالقارئ أن يميز ويدخل في العملية الاستعارية.
وعلى الرغم من هذه الجوانب الإيجابية في فهم ريكور للاستعارة والحكاية الرمزية، فإن هناك جوانب أخرى جديرة بالشك والتساؤل، أولها إصرار ريكور على أن تفاعل القارئ والنص يتسم «بالانفتاح» ولا يمكن، من حيث المبدأ، أن ينغلق، وهو إصرار يرتبط من جهة بمغالاة ريكور في التعويل على القارئ وإسناد دور كبير له في العملية التأويلية، ويرتبط من جهة أخرى بإيمانه بأن «النص المكتوب يغدو، فور كتابته، صوتا ممحضا منفصلا عن المؤلف وعن موقف المؤلف».