والحق أن الفنان في نهاية المطاف وآخر الجدل ليس هو الشخص العميق الفكر، ولا هو الشخص المشبوب الانفعال ولا الثري التجارب، فكل هذه صفات توجد في أناس بعدد الحصى دون أن تتخايل في أحدهم بارقة فن واحدة، إنما الفنان هو ذلك الشخص الذي «يفكر ويحس من خلال وسيط فني معين، وأيا ما كانت انفعالاته وأفكاره، ملتهبة أو باردة، عميقة أو سطحية، فإنها تتمثل لذهنه متجسدة في وسيطه الخاص.»
2
ويعلم كل مزاول للفن أن العملية الفنية في عامة الأحوال ليست حالة أو فكرة مجردة يبلغ إليها في مرحلة منفصلة ثم يحاول الاهتداء إلى صوب فني يكسوها به في مرحلة ثانية، إنها ملتحمة بالوسيط منذ البداية، وكثيرا ما تكون العملية الفنية هي عملية تنمية لحن أو التوسع في تصميم بصري أو تعقب تركيبة لفظية ورؤية ما تسفر عنه.
تبدي المادة تمردا ومقاومة يعرفها كل فنان، ولا سيما المعماري والمثال، وكأنها تقف حائلا بينه وبين تحقيق الرؤية القابعة في خياله، «روي عن ميكلانجلو أنه كان يصنع تماثيله في سورة من العنف والغضب والهياج، حتى إنه كان يقول لسائليه عن سر هذا الهياج: إنني لأبغض تلك الحجارة التي تفصلني عن تمثالي!»
3
على أنه غضب طفولي أبتر، فالفنان يعرف بالسليقة أن لا نجاة من المادة إلا إليها، الفنان يعرف الوجد، ويعرف أنه لا يجيء إلا كاسيا، إلا متسربلا بالوسيط.
وليست علاقة الفنان بوسيطه الفني دائما علاقة صراع وتوتر، فالمادة ليست قيدا وتحديا على طول المدى، إنها إلهام أيضا وتيسير، فالوسائط المادية غنية بالقيم الترابطية والتعبيرية التي يمكن للفنان أن يستغلها، يروى عن المثال بيلي
R. A. Baillie
قوله: «إنك كلما مضيت قدما في النحت، أوحى إليك الحجر ذاته بتحسينات تدخلها على تخطيطك الأول.»
4
فكل وسيط مادي يمتلك من الخصائص الجمالية والإمكانات التعبيرية ما يلهم الفنان ويشير عليه ويقود انفعاله في مجرى معين ويحقق له ما كان يود أن يحققه، فقد يعثر الموسيقي في نغمة معينة أو في مزاوجة نغمية عفوية على مفتاح سحري إلى أفق موسيقي جديد لم يكن يحلم به، وقد تزور الشاعر لفظة معينة أو اقتران لفظي عابر فيرى فيه تجسدا لما كان يعتلج في صدره زمنا ولا يعرف ما هو، وقد يجد المثال في مادة البرونز المعدنية بقابليتها للصهر والتجويف وخفة وزنها إلهامات إلى طرائق معينة من التجريب والتعبير، بل إن التقنيات الحديثة قد تمد الفنان بوسائط تخليقية غير مبذولة في الطبيعة تمنحه إمكانات تشكيلية لا عهد له بها، فتفتح له طرقا غير مطروقة وتسكره بوعود تعبيرية جديدة، إن المادة تسعف الفنان وتأخذ بيده وتعلمه وترشده. (3) الشكل الدال: مصاعب وحلول
ولست أدري هل الشهامة هي ما منعهم أن يلمحوا «تحصيل حاصل»
5
ناتئا في عرضي للفرضية الإستطيقية، وبوسعي أن أقول إن هذه الوصمة قد أزيلت منذ زمن طويل.
كلايف بل: تصدير الطبعة الثانية من كتاب «الفن»
تعرض مفهوم «الشكل الدال» لانتقادات حادة تريد أن تنال منه الصميم، أخطر هذه الانتقادات هو أن تعريف كلايف بل للشكل الدال تعريف غامض بل فارغ لا ينبئنا بشيء. إنه تضام معين للخطوط والألوان من شأنه أن يثير الانفعال الإستطيقي، ولكن ما هو الانفعال الإستطيقي؟ يقول بل إنه الانفعال الذي يثيره «الشكل الدال»، وبذلك يتبين أن التعريف دائري فاسد، وأن بل يقع في «دور منطقي»
vicious circle
إذ يعرف الشكل الدال بالإحالة إلى الانفعال الإستطيقي بالإحالة إلى الشكل الدال، بينما يبقى كل من مفهومي «الشكل» و«الانفعال» غامضا مستغلقا لا يقدم أي معايير محددة تقربنا إليه.
هل وقع كلايف بل حقا في دور منطقي؟
إنه يعرف الشكل الدال بأنه الشكل الذي يتخذه الوسيط الحسي (تضام الخطوط والألوان في فن التصوير)، والذي يتسبب في إثارة الانفعال الإستطيقي، وبذلك يتضمن التعريف إشارتين؛ الأولى إلى الطرائق أو القوانين التي تنظم اجتماع الخطوط والألوان، وهي قوانين يعترف بل أنها غامضة ملغزة سرية يتولى النقد مهمة الكشف عنها قدر المستطاع، والإشارة الثانية إلى «الانفعال الإستطيقي» الذي فيه جلاء الأمر وفصل الخطاب من الوجهة الإستطيقية، «كل ما يلزم في مبحث الإستطيقا هو أن أثبت فحسب أن الأشكال إذ تنتظم وتجتمع وفقا لقوانين معينة مجهولة وغامضة تحرك مشاعرنا فعلا بطريقة معينة، وأن مهمة الفنان هي أن يجمعها وينظمها بحيث تحرك مشاعرنا.»