فقد ترد كلمة «شكل» لتشير إلى «قالب» أو «نمط» معين من التنظيم معروف وتقليدي، مثل قالب السونيت بأنواعه في الشعر الإنجليزي، وقالب القصيدة التقليدية والأرجوزة والموشح في الشعر العربي، ومثل قالب السوناتا والفوجه في الموسيقى، وقالب الدور والمونولوج والموشح والموال والطقطوقة في الغناء العربي، ومثل بحور الشعر ومقامات الموسيقى ... إلخ، هنا تدل كلمة «الشكل» على قوالب مسبقة أو أوعية معدة سلفا لاحتواء الوسيط المستخدم وتوجيهه في وجهة معينة تفرض بالضرورة إمكانات تعبيرية معينة، وغني عن القول أن هذا الصنف من الشكل ألي على حد تعبير كولريدج، وأنه قالب خارجي تحكمي مسبق.
وقد ترد كلمة «شكل» بمعنى شديد العمومية والشمول لتدل على تنظيم عناصر الوسيط المادي التي يتضمنها العمل (الأنغام، الخطوط، الأحجام ... إلخ) وتحقيق الارتباط المتبادل بينها، أي الطريقة التي تتخذها العناصر المادية، أو العلاقات القائمة بينها، في عمل فني بعينه، والشكل بهذا المعنى ليس قالبا مسبقا أو وعاء بل هو أشبه بنسيج العنكبوت الذي يتألف من مواد وينظم هذه المواد، وقد تأتي كلمة «شكل» لتدل على كل هذا بالإضافة إلى عملية تنظيم الدلالة التعبيرية لعناصر الوسيط، ذلك التنظيم الذي يؤدي إلى زيادة الدلالة الفكرية والانفعالية للعمل ويضفي عليه وحدة ويشيع فيه روحا عامة تسوده وتجمع بين أطرافه، إنه الشكل الداخلي العضوي الذي يصدر عن الفنان ويتألف من الانفعال الذي يبثه في العمل ويؤدي إلى نمو العمل وفقا لطبيعته الخاصة وضرورته الباطنة.
في فصل «الإبداع والشكل» من كتابه «الصوفية والسوريالية» يقول أدونيس: «الشكل هو الصورة المحددة للعمل الفني المحدد، وهو إذن محايث أبدا، إنه جسد العمل الفني ... لم يعد الشكل قالبيا: لم يعد ممكنا القول بوجود شكل (أو بحر أو وزن) وجودا مسبقا، جاهزا، مستقلا بذاته، صار الشكل، شعريا، شكلا محددا لعمل شعري محدد، وكما أنه لا نهاية للشعر، فلا نهاية لأشكاله.»
1
وينبغي حين نقوم بتحليل العمل الفني إلى عناصره المكونة ألا يغيب عن ذهننا لحظة أن العمل الفني كل لا يتجزأ، ولا يمكن رده إلى عناصره دون خسائر؛ لأننا حين نفصل عنصرا واحدا منه لكي نتحدث عنه ونصفه فلن يعود له نفس الخصائص التي كانت له حين كان مدمجا في الكل وكانت له علاقات ببقية العناصر، وهذه العلاقات تؤثر فيه وتحدث اختلافا في طبيعته، عملية الفصل والعزل إذن هي ضرورة لغوية ذهنية نقدية، غير أنها لا تصف واقعة معطاة، وقد صدق من قال «إننا نقتل لكي نشرح.» فالعمل الفني هو في النهاية وحدة عضوية حية، كل يتجاوز أجزاءه. (2) الشكل الدال صرامة وتقشف
ليست هناك كآبة وإفلاس ككآبة الفن وإفلاسه حين ينهمك في نفسه لا في موضوعه.
جورج سنتيانا
يظن بعض الناس ممن يلقون الكلام على عواهنه أن الشكلية تعني صدارة الشكل، أي شكل، على المضمون، ويتوهمون أن الشكلية هي التركيز على الزخرف والزينة دون اكتراث بالمعنى والوظيفة، وهو تعس لم يقل به أحد، وقلب للقضايا لا يرتكبه إلا مأفون، فالشكل الذي ألح عليه بل هو الشكل «الدال»
significant ، و«الدلالة» مفهوم «قصدي»
intentional
بامتياز: فالشكل لا بد أن يدل على شيء ويشير إلى شيء ويقول شيئا، على أن يقول ويشير ويدل بالشكل وفي الشكل، ونقول بالشكل وفي الشكل لأن الشكل الدال، ببساطة، هو وحده ما يقوى على إحداث الانفعال الإستطيقي، وغيره لا يحدث إلا انفعالات الحياة.
هل الاهتمام بالشكل يأتي على حساب المضمون؟ كلا بل يأتي لحسابه، الشكل هو كل شيء في العمل الفني، الشكل هو المضمون في حضوره الإستطيقي، والشكل الدال هو الشكل الذي تطابق مع انفعال مبدعه تجاه الواقع النهائي، والذي وجد فيه هذا المضمون الانفعالي جسدا للمثول الموضوعي ومنفذا إلى الذوات الأخرى، وآيته في ذلك أنه يثير في المتلقين انفعالا مضاهيا لانفعال مبدعه، وهذا الانفعال الناجم هو معرفة ونشوة معا، هو كشف كبير ومتعة عالية في آن.