وهنا أيضا يلتقي بل وبرادلي على صعيد واحد، وإن كان بل يتحدث في فن التصوير على وجه الخصوص: «على كل فنان أن يختار «مشكلته» الخاصة، وله أن يستمدها من حيثما شاء ما دام قادرا على أن يجعل منها البؤرة لتلك الانفعالات الفنية التي شرع في التعبير عنها، والحافز لتلك الطاقات التي سيحتاج إلى التعبير عنها، وما يجب علينا أن نتذكره هو أن «المشكلة» (موضوع اللوحة في حالة فن التصوير بصفة عامة) أمر غير ذي بال في حد ذاته. إنها لا تعدو أن تكون إحدى وسائل الفنان للتعبير أو الإبداع، وفي أي حالة خاصة قد تكون إحدى المشكلات خيرا من الأخرى كوسيلة، تماما مثلما أن قماشة لوحة أو صنفا من الألوان قد يكون أفضل من غيره، فذاك أمر يتوقف على مزاج الفنان وقد لا ننازعه فيه، ليس «للمشكلة» قيمة بالنسبة لنا، أما بالنسبة للفنان «فالمشكلة» هي الاختبار العامل «للصواب» المطلق: هي المقياس الذي يقيس ضغط البار. إن الفنان يذكي ناره ليجعل المقبض الصغير يدور، وهو يعرف أن آلته لن تتحرك حتى يجعل المؤشر يبلغ العلامة، إنه يتقدم تدريجيا إليها وبواسطتها، غير أنها لا تدير المحرك.»
5 (3) الشعر التجريدي
وقد بلغ التجريد عند أحد الشعراء مبلغا جعل الناقد د. علي أحمد سعيد (أدونيس) يقول فيه: إن شعره «يحيد عن الموضوع، بالمعنى الذي اصطلح عليه، أو لنقل إن «المعنى» وفقا للمصطلح الشائع، ليس بالنسبة إليه شيئا تفصح عنه اللغة، شيئا ماديا موجودا لذاته خارجها، ليست اللغة، بتعبير آخر، وسيلة لنقل شيء منفصل عنها قائم في الطبيعة أو العالم الخارجي ... إنما المعنى في شعره محايث
6
للكلمة، بل هو الكلمة ذاتها؛ إذ ليس لقصيدته موضوع أو مرجع خارجها، وإذا كان لا بد من الكلام على «المعنى» في هذا الشعر، فهو حوار الكلمة مع جارتها، أو هو ما تتهامس به اللغة، إنه نوع من الصلاة تتعالى في أصوات الكلمات
7 ... الشعر هنا، بتعبير آخر، موسيقى: لا يقوم على فكرة محددة واضحة، وإنما يقوم على عناصر تترابط إيقاعيا، في ما يشبه الترابط الهندسي، والقصيدة، إذن، هي هنا إيقاع كلمات ... كأن قصيدته طراز معماري بالكلمات، وحين تدخل إليه تشعر كأنك تدخل هيكلا: تدخل في غلالة من الزمن لكي تعانق جسد الأبدية، ربما نلتمس هنا صحة القول: إن القصيدة شكل، وإن الشكل هو وحده الدال.»
8 «واضح إذن كيف أن هذا الشعر يحيد عن العالم - عالم الأشياء الدبقة العابرة، وكيف أنه حوار بين الكائن والكلام، وكيف أن الدلالة فيه هي ما تتبادله الكلمات من همس حينا، ومن صراخ حينا، ومن صمت حينا.»
9 «في هذا المنظر يتضح معنى التجريد، كمفهوم فني، فهو كبحث عن الجوهر، محاولة لرؤية ما لا يرى، وهو إذن تجاوز للطبيعة وأشكالها، وخلق عالم من الأشكال المحضة، أو هو رد الأشكال كلها إلى جوهرها، إنه تشفيف للمادة، لا يريد منها غير الجوهر، الأشياء المادية فوضى تشوش وزوال، رماد مبعثر، من هذا الرماد يلتقط التجريد إشارة النار، فمشروعه بصيري لا بصري، إنه مشروع اكتناه.»
10 «نحو ما لا يرى: تلك هي طريق التجريد، الطريق إلى الله، لا مجال، إذن، لمحاكاة الطبيعية أو مخلوقات الله، فهذه المحاكاة هي، إبداعيا، انخراط في رؤية تظل، مهما كملت، دون الأشياء وتحتها،
11
وهي، دينيا، عمل يغلب النفس (الأمارة بالسوء) على الروح، والفردي على الكوني، والمادة على الرمز، ولئن كان لا بد هنا من الكلام على المحاكاة، فإنها محاكاة لفعل الخلق، دلالة وحركية، وليست محاكاة للشيء أو للمخلوق.»
12 «هكذا نصفه بأنه شعر - هندسة: شكل جميل بذاته ولذاته، وهو، في جماليته هذه، فعال ودال - مع أنه لا يعكس «واقعا» ولا يحمل «قضية»، والكتابة هنا ليست ترويضا للغة وحسب، شأن الترويض الذي يمارس على الخطوط، وإنما هي أيضا إرادة تنظيم وتناغم، إرادة تشكيل جمالي، والقصيدة هنا بنية/نسق، إنها العلم بالجمال، إنها علم جمال.»