وأجابوا عن أدلة الأولين : أما حديث أبي هريرة ، فليس المراد بعذاب القبر فيه عقوبة الطفل على ترك طاعة أو فعل معصية قطعاً ، فإن الله لا يعذب أحداً بلا ذنب عمله ، بل عذاب القبر قد يراد به الألم الذي يحصل للميت بسبب غيره ، وإن لم يكن عقوبة على عمله ، ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم - : " إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه " أي : يتألم بذلك ويتوجع منه ، لا أنه يعاقب بذنب الحي ، ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) [ الأنعام : 164 ] وهذا كقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : " السفر قطعة من العذاب " فالعذاب أعم من العقوبة ، ولا ريب أن في القبر من الآلام والهموم والحسرات ما قد يسري أثره إلى الطفل فيتألم ، فيشرع للمصلي عليه أن يسأل الله تعالى أن يقيه ذلك العذاب ، والله أعلم .
واختلفوا ، هل السؤال في القبر عام في حق المسلمين والمنافقين والكفار، أو يختص بالمسلم والمنافق ؟ فقيل : يختص ذلك بالمسلم والمنافق دون الكافر الجاحد المبطل ، وقيل : السؤال في القبر عام للكافر والمسلم ، وهذا هو الذي يدل عليه الكتاب والسنة ، واستثناء الكافر من هذا لا وجه له .
واختلفوا ، هل السؤال في القبر مختص بهذه الأمة أو يكون لها ولغيرها ؟
على ثلاثة أقوال :
القول الأول : أنه خاص بهذه الأمة لأن الأمم قبلنا كانت الرسل تأتيهم بالرسالة فإذا أبوا ، كَفَّتِ الرسل واعتزلوهم وعوجلوا بالعذاب ، فلما بعث محمد - صلى الله عليه وسلم - بالرحمة إماماً للخلق – كما قال تعالى : ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) [ الأنبياء : 107 ] أمسك عنهم العذاب وأعطي السيف حتى يدخل في دين الإسلام من دخل لمهابة السيف ، ثم يرسخ الإيمان في قلبه ، فأمهلوا فمن ثم ظهر أمر النفاق ، وكانوا يسرون الكفر ويعلنون الإيمان فكانوا بين المسلمين في ستر ، فلما ماتوا قيض الله لهم فتاني القبر ليستخرجا سرهم بالسؤال .