تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ إِلَى اللَّهِ - بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ: تَحَبَّبَ إِلَيْهِ بِحِفْظِ أَحْكَامِهِ، ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -;لِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ سَبَبُ الْمَحَبَّةِ - يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ - بِتَخْفِيفِ الرَّاءِ أَيْ: يُجَازِكَ فِيهَا - وَاعْلَمْ أَنَّ مَا أَخْطَأَكَ - أَيْ: جَاوَزَ عَنْكَ النِّعْمَةَ وَالرَّخَاءَ وَالشِّدَّةَ وَالْبَلَاءَ، وَأَصْلُ الْخَطَأِ الْعُدُولُ عَنِ الْجِهَةِ - لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ - أَيْ: مُحَالٌ أَنْ يُصِيبَكَ، وَفِيهِ مُبَالَغَةٌ مِنْ وُجُوهٍ مِنْ حَيْثُ دُخُولِ اللَّامِ الْمُؤَكِّدَةِ لِلنَّفْيِ عَلَى الْخَبَرِ وَتَسْلِيطِ النَّفْيِ عَلَى الْكَيْنُونَةِ وَسِرَايَتِهِ فِي الْخَبَرِ - وَمَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ - فِيهِ الْحَثُّ عَلَى التَّوَكُّلِ وَالرِّضَا وَنَفْيِ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ عَنْهُ، إِذْ مَا مِنْ حَادِثَةٍ مِنْ سَعَادَةٍ وَشَقَاوَةٍ وَعُسْرٍ وَيُسْرٍ، وَخَيْرٍ وَشَرٍّ، وَنَفْعٍ وَضَرٍّ، وَأَجَلٍ وَرِزْقٍ إِلَّا وَيَتَعَلَّقُ بِقَدَرِهِ وَقَضَائِهِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بِخَمْسِينَ أَلْفَ عَامٍ جَرَى قَلَمُ الْقَضَاءِ بِمَا يَكُونُ، فَسِيَّانِ التَّحَرُّكُ وَالسُّكُونُ، فَيَجِبُ الشُّكْرُ فِي حَالِ السَّرَّاءِ، وَالصَّبْرُ فِي حَالِ الضَّرَّاءِ قَائِلًا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء:78]- وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ-أَيْ: عَلَى الْأَعْدَاءِ-مَعَ الصَّبْرِ-أَيْ: عَلَى الْمِحَنِ وَالْبَلَاءِ-،وَأَنَّ الْفَرَجَ وَهُوَ الْخُرُوجُ مِنَ الْغَمِّ مَعَ الْكَرْبِ، أَيِ الْغَمِّ الَّذِي يَأْخُذُ بِنَفَسِ النَّفْسِ، وَلِذَا وَرَدَ:

اشْتَدِّي أَزْمَةُ تَنْفَرِجِي ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح:6] قَالَ شَارِحٌ: وَقَدْ وَقَعَتِ الْآيَةُ فِي الْقُرْآنِ مُكَرَّرَةً لِيُعْلَمَ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ عُسْرٌ إِلَّا مَعَهُ يُسْرَانِ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَاعِدَةِ الْمَشْهُورَةِ أَنَّ النَّكِرَةَ الْمُعَادَةَ غَيْرُ الْأُولَى، وَالْمَعْرِفَةَ الْمُعَادَةَ عَيْنُ الْأُولَى، لَكِنَّهَا غَالِبِيَّةٌ لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ﴾ [آل عمران:26] لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّ اللَّامَ الْأُولَى لِلِاسْتِغْرَاقِ، وَالثَّانِيَةَ لِلْجِنْسِ الَّذِي يَحْصُلُ بِوُجُودِهِ فَرْدٌ مِنْهُ، ثُمَّ قِيلَ مَعَ بِمَعْنَى بَعْدَ، وَهَذَا بَعِيدٌ عَنْ حَقِيقَةِ الْمَعْنَى، وَإِرَادَةِ الْمُبَالَغَةِ فِي الْمَبْنَى حَيْثُ قَصَدَ مُعَاقَبَةَ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ وَاتِّصَالَهُ بِهِ حَتَّى جَعَلَهُ كَالْمُقَارِنِ لِزِيَادَةٍ فِي التَّسْلِيَةِ وَالتَّنْفِيسِ، عَلَى أَنَّ الْمِحَنَ لَا تَخْلُو عَنِ الْمِنَحِ، بَلْ إِنَّهَا عَيْنُهَا ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [البقرة:49]، ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:35] هَذَا وَقَدْ قَالَ الْقُطْبُ الرَّبَّانِيُّ وَالْغَوْثُ الصَّمَدَانِيُّ السَّيِّدُ عَبْدُ الْقَادِرِ الْجِيلَانِيُّ -قُدِّسَ سِرُّهُ -فِي فُتُوحَاتِ الْغَيْبِ: يَنْبَغِي لِكُلِّ مُؤْمِنٍ أَنَّ يَجْعَلَ هَذَا

آداب المجاهدين وواجباتهم · الصفحة ٤٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

آداب المجاهدين وواجباتهمص ٤٧