تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بيته ، فرأي في بيته مقدار منوين حنطة ، فقال : الناس يموتون من الجوع ، وفي بيتي حنطة ! ! فخولط في عقله ، فما كان يفيق إلا في أوقات الصلاة يصلي الفريضة ثم يعود إلى حالته ، فلم يزل كذلك إلى أن مات . دلت هذه الحكاية على أن هذا الرجل كان محفوظا عليه آداب الشريعة عند غلبات أحكام الحقيقة وهذا هو صفة أهل الحقيقة ، ثم كان سبب غيبته عن تمييزه : شفقته على المسلمين وهذا أقوى سمة لتحققه في حاله . ومن ذلك :

| الجمع والفرق

لفظ الجمع والتفرقة يجري في كلامهم كثيرا . وكان الأستاذ أبو علي الدقاق يقول : الفرق : ما نسب إليك . والجمع : ما سلب عنك . ومعناه : أن ما يكون كسبا للعبد ، من إقامة العبودية ، وما يليق بأحوال البشرية ، فهو : فرق . وما يكون من قبل الحق ، من إبداء معان ، وإسداء لطف وإحسان فهو : جمع هذا أدنى أحوالهم في الجمع والفرق ، لأنه من شهود الأفعال . فمن أشهده الحق - سبحانه - أفعاله عن طاعاته ومخالفاته فهو : عبد بوصف التفرقة ، ومن أشهده الحق - سبحانه - ما يوليه : من أفعال نفسه سبحانه ، فهو : عبد بشاهد الجمع . فإثبات الخلق من باب التفرقة ، وإثبات الحق من نعت الجمع . ولا بد للعبد من الجمع والفرق ، فإن من لاتفرته له لا عبودية له ، ومن لا جمع له لا معرفة له ، فقوله : إياك نعبد إشارة إلى الفرق . وقوله : وإياك نستعين إشارة إلى الجمع . وإذا ما خاطب العبد الحق سبحانه ، بلسان نجواه : إما سائلا ، أو داعيا ، أو مثنيا ، أو شاكرا ، أو متنصلا ، أو مبتهلا ؛ قام في محل التفرقة . وإذا أصغى بسره إلى ما يناجيه به مولاه ، واستمع بقلبه ما يخاطبه به ، فيما ناداه ، أو ناجاه ، أو عرفه ، أو لوح لقلبه وأراده ، فو بشاهد الجمع .

الرسالة القشيرية · الصفحة ١٠٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الرسالة القشيريةص ١٠٠