تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لما رأيت القضا جاريا . . . لا شك فيه ولا مرية توكلت حقا على خالقي . . . وألقيت نفسي مع الجرية وإنما كرهو ما كره الله طاعة لله ، فذلك كراهة ما كره حبا لله واكتراما لحكمه عليهم ، لاكراهة ما قضى إذ ليس لهم أن يقولوا : فلم قضيت ما تكره ولم كرهت ما قضيت ؟ هو أجل وأعظم ، وفي نفوسهم أخوف وأهيب أن يواجهوه بهذا الخطاب في قول أو عقد ، بل عرفوا حكمته فيه وصبروا على حكمه به ، وإنما توكل العلماء به عليه لأجل أنه يحب المتوكلين ولأجل أنه يستحق التفويض إليه ويستوجب التسليم له ، إذ كان هو الوكيل الأول والكفيل الآجل حين سمعوه يقول : والله على شيء وكيل ، ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ، وحين فقهوا قوله : ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ، ولما عقلوا من خطابه : أليس الله بأحكم الحاكمين أو لأجل أنه أمر بالتوكل ، وندب إليه وحقق الإيمان به ؛ إذ سمعوه تعالى يقول : أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ، أمن يملك السمع والأبصار ومن يدبر الأمر ؟ وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ، وفي السماء رزقكم ، وما توعدون ، ثم أقسم عليه بنفسه أنه حق فتوكلوا عليه إستحياء ، منه ولوجود اليقين الذي رفع خفايا الشك وحذر من التهمة له وتوثقة بالاعتقاد عليه ؛ فمنهم من توكل عليه لأجل هذه المعاني كلها ، ومنهم من توكل عليه لمشاهدة بعضها فكل عبد توكله عن الوصف الذي به عرفه ، وكل عرفه عن العذر المتجلي الذي عرفه ؛ فكل يطيعه على قدر قربه منه ، وكل يقرب على قدر علمه بقربه منه بقدر مايعرف من كينونية في مكنون كأنه ، وكل بعلمه على قدر عنايته به ومن ورائه سر القدر ، فمشاهدة كل عبد من مقامه وحاله عن وجد شهادته وجزاؤه نحو معاملته ، والله يضاعف لمن يشاء هم درجات عند الله ، والله بصير بما يعملون ، لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون ، فدار السلام جامعة لهم وهم متفاوتون في درجاتها كدار الدنيا تجمعهم ، وهو يرفعهم لديه في ملكوتها بتخصيص التولي وحسن الولايات عن تحسين المعاملات ، الله يجيبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب ، ومن الخصوص من توكل عليه تعظيما له وإجلالا ، ومنهم من توكل عليه يقينا بوعده ليحقق صدقه كأنه قد أخذ الموعود بيده إذ يقول تعالى : ومن أوفى بعهده من الله أنه كان وعده مأتيا ، ومنهم من توكل عليه استسلاما لما شهد من قهر عزه وعظيم قدره ، ومنهم من توكل عليه ليحفظ عليه ماله فيه ، ومنهم من توكل عليه ليحفظ له ما استحفظه ويعصمه في ماله عليه ،

قوت القلوب · الجزء ٢ · الصفحة ٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

قوت القلوبج ٢ · ص ٦٠