تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تدبيره ومعرفتهم بحسن تقديره لهم ، خير لهم من كون أمانيهم ، وأفضل لهم عند الله من قبل إن الله ، أحكم الحاكمين ، وقال تعالى موبخا للإنسان مجهلا للتمني لقلة الإيقان : ( أم للإنسان ما تمنى ) ( فلله الآخرة والأولى ) النجم : 24 - 25 أي يحكم فيهما بترك الأماني لأنه قال تعالى : ( ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن ) المؤمنون : 71 فالمتوكل محب لله تعالى مسرور بربه فرح له بملكه ، بأن له الآخرة والأولى يحكم فيهما كيف شاء ، والعبد عاجز لا يقدر على شيء ، فهذا أول مقام في المحبة ، فقد كفى الخلائق هذا كله بحسن تدبير الخالق العليم الخبير البصير ، وإنما يحتاجون إلى معرفة بالحكمة ومشاهدة للحكم والرحمة ، وإلى بصيرة ويقين يسكن عندها قلوبهم ولا يضطرب ، هذا الذي ذكرناه عند الموقنين وستطلع العموم على سر ما ذكرناه من لطيف التدبير وباطن التقدير ، وهو سر القدر ولطائف المقدر في الآخرة عند المعاينة ، وقد كشف الغطاء وظهر ما تحته من عجائب الخبء في السموات والأرض ، وقد أطلع الله على ذلك العلماء به في الدنيا وهو محمود مشكور على ما أظهر وأخفى ، ففي كل واحد منهما نعمة ، ومع كل واصف منها حكمة ورحمة ، ولكن قد خلق الله العلماء بأخلاقه فليس يكشفون من علمه إلا بقدر ما كشف ، وليس يعرفون من سر قدره إلا بمعيار ما عرف ، وقال تعالى : ( وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم ) الحجر : 21 فقد تأدبوا بهذا الخطاب ووقفوا عنده ، وقال أبو سليمان الداراني : إذا لاحظت الأشياء من فوق وجدت لها طعما آخر ، وقال بعض العارفين : إذا رأيت الأشياء كلها كشيء واحد من معدن واحد ، رأيت ما لم تسمع وفهمت ما لم تفهم الخلق ، وقال بعضهم : لا ترى العجب حتى ترى عجبا فإن لم تر عجبا رأيت العجب .

| ذكر بيان آخر من وصف المتوكلين

اعلم أن العلماء بالله سبحانه ؛ لم يتوكلوا عليه لأجل أن يحفظ لهم دنياهم ، ولا لأجل تبليغهم مرادهم ، ولا ليشترطوا عليه حسن القضاء بما يحبون ، ولا ليبدل لهم جريان أحكامه عما يكرهون ولا ليغير لهم سابق مشيئته إلى ما يعقلون ، ولا ليحول عنهم سنته التي خلت في عباده من الابتلاء والاختبار ، هو أجل في قلوبهم من ذلك وهم أعقل عنه وأعرف به من هذا ، لو اعتقد عارف بالله أحد هذه المعاني مع الله في توكله كان كبيرة توجب عليه التوبة وكان توكله معصية ، وإنما أخذوا نفوسهم بالصبر على أحكامه كيف جرت ، فطالبوا قلوبهم بالرضا عنه كيف جرت ، وقال رجل لمالك بن أنس : يا أبا عبد الله ، إني تعلقت بأستار الكعبة فتبت من كل ذنب وحلفت أن لا أعصي الله فيما أستقبل ، فقال له : ويحك ، ومن أعظم معصية منك تتألى على الله أن لا ينفذ حكمه فيك ، وأنشدنا بعض العلماء لبعض الحكماء :

قوت القلوب · الجزء ٢ · الصفحة ٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

قوت القلوبج ٢ · ص ٥٩