معه زاده ، وشهد فيه القوة فأهله لذلك ، فلما قال له الآخر : ادع الله أن يجعلني منهم ، والمقامات لا يقتدى بها ولا يتمثل فيها ، كما لا تدعى ، لأنها مواجيد قلوب باتحاد قريب ومشاهدات غيوب بإشهاد حبيب ، فلما لم ير ذلك طريقه ولم يشهد معه زاده لم يؤهله لذلك ، فأوقفه على حده وحكم عليه بضعفه ، فرده ردا جميلا ، لأنه كان حبيبا كريما ، فقال : سبقك بها عكاشة ، فهذا كما يقول الحاكم الحكيم : إذا ضعف أحد الشاهدين زدني شاهدا آخر ، ولا يصرح بجرح الشاهد ولو عدله لقبله ، ولم يطلب الزيادة ، وإلا فالمقامات لا تضيق لمن سبق إليها ، والرسول غير بخيل مع قوله تعالى شاهدا له : ( وماهو على الغيب بضنين ) التكوير : 42 ، ولكن لم ير فيه شاهد ذلك من القوة ، وتبين فيه الضعف عن الحمل فلم يخاطر به ، وقد نهى عن الكي في غير حديث وقال لرجل أراد أن يداوي أخاه إلا أنه مات من علته ، فقال : أما لو برأ لقلت برأته لعلمه بما يهجس في بعض النفوس أن الشفاء والنفع من فعل الدواء ، وذلك من الشرك فكره المحققون بالتوحيد التداوي خشية دخول ذلك عليهم . وروي عن موسى عليه السلام : يارب ممن الدواء والشفاء ؟ قال : مني ، قال : فما يصنع الأطباء ؟ قال : يأكلون أرزاقهم ، ويطيبون نفوس عبادي ، حتى يأتي شفائي أو قبضي ، وقد كان ابن حنبل يقول : أحب لمن اعتقد التوكل ، وسلك هذا الطريق ترك التداوي من الأشربة وغيرها ، واعتل عمران بن حصين فأشاروا عليه أن يكتوي فامتنع ، فلم يزالوا به ، وعزم عليه زياد بذلك ، وكان أميرا حتى اكتوى ، فكان يقول : كنت أرى نورا ، وأسمع صوتا ، وأسمع تسليم الملائكة علي ، فلما اكتويت انقطع ذلك عني ، وفي خبر كانت الملائكة تزوره فيأنس بها حتى اكتوى ، فكان يقول : اكتوينا كيات ، فوالله ما أفلحنا ولا أنجحنا ، ثم ناب من ذلك ، وأناب إلى الله تعالى ، فرد الله عليه ما كان يجد من أمر الملائكة ، وقال لمطرف بن عبد الله : ألم تر أن الكرامة التي كان أكرمني الله بها قد ردها علي ؟ بعد أن كان أخبره بفقدها ، فلولا أن ذلك كان عنده ذنبا له ، لما ندم عليه وتاب منه ، ولولا أن ذلك كان نقصا ما صرفت الملائكة عنه ، ومرض أبو بكر الصديق رضي الله عنه فقيل له : لودعونا لك طبيبا ، فقال : قد نظر إلي الطبيب ، فقال : إني فعال لما أريد ، وقيل لأبي الدرداء في مرضه : ما تشتكي ؟ قال ذنوبي ، قيل : فما تشتهي ؟ قال : مغفرة ربي ، قيل : أفلا ندعو لك طبيبا ؟ قال : الطبيب أمرضني ، وقيل لأبي ذر وقد رمدت عيناه : لو داويتهما ، فقال : إني عنهما لمشغول ، قيل : فلو سألت الله أن يعافيك ، فقال : أسأله فيما هو أهم إلي منهما ، وقيل لأبي محمد : متى يصح لعبد التوكل ؟ قال : إذا دخل عليه الضر في جسمه ، والنقص في ماله ، فلم يلتفت إليه شغلا بحاله للنظر إلى قيام الله عليه ، وقد كان أصاب الربيع بن خيتم الفالج ، فقيل له : لو تداويت فقال : قد هممت ، ثم ذكرت عادا وثمودا وقرونا بين ذلك كثيرا كانت فيهم
قوت القلوب · الجزء ٢ · الصفحة ٣٦
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
قوت القلوبج ٢ · ص ٣٦
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي