وقد كان أحمد بن عطاء وهو من المتأخرين يفضل حال الغنى على الفقر لشبهة دخلت عليه ، وهو أن بعض الشيوخ سأله عن الوصفين أيهما أفضل ؟ قال : الغني لأنه صفة الحق فقال له الشيخ : فالله غني بالإعراض والأسباب فانقطع ولم ينطق بحرف ، وهذا كما قال الشيخ لأن الله تعالى غني بوصفه ، فالفقير أحق بهذا المعنى لأنه غني بوصفه بالإيمان لا بالأسباب لانفرادها عنه ، فهو الأفضل فأما الغني فإنه مشتت مجتمع بالأسباب فهو مفضول بالارتياب وقد خالفه الخواص فوفق للصواب وكان فوقه في المعرفة فقال في كتاب شرف الفقر والفقر صفة الحق أي صفة منه يصف به الفقراء فوافقنا في التأويل يعني أنه تعالى متخل عن الأشياء منفرد عنها ، ووجه آخر من الغلط الذي دخل عليه من جهة الغنى الذي ذكره لأنه إن كان فضل الغنى على الفقر لأنه صفة الحق فينبغي أن يفضل المتكبر الجبار ومن أحب المدح والعز والحمد لأن ذلك كله صفة الحق فما أجمع أهل القبلة على ذم من كان هذا وصفه كان من وصفه الغنى في معناه لأن وصف الغنى صفة الحق مقترن بالعز والكبر ، وينبغي أن يسلم صفات الحق للحق ولا ينازع إياها ولا يشارك فيها ، فبطل قول ابن عطاء لصحة قول الرسول صلى الله عليه وسلم : يقول الله تعالى العز إزاري والكبرياء ردائي من نازعني أحدهما قصمته في النار ، وقد خالفه أيضا ووافقنا من لا يشك الخاص والعام في فضل معرفته عليه أبو محمد سهل بن عبد الله فقال : من أحب الغنى والبقاء والعز فقد نازع الله تعالى صفاته وهذه صفات الربوبية يخاف عليه الهلكة فإذا ثبت ذلك كان الفقر أفضل لأنه وصف العبودية ، فمن جعله وصفه فقد تحقق بالعبودية وأوصاف العبودية هي أخلاق الإيمان وهي التي أحبها الله تعالى من المؤمنين مثل الخوف والذل والتواضع والفقر مضاف إليها وأوصاف الربوبية ابتلى به قلوب أعدائه الجبارين والمتكبرين مثل العز والكبر والبقاء والغنى مضموم إليها . وكان الحسن رحمه الله يقول : مارأيت الله تعالى جعل البقاء إلا لأبغض خلقه إليه وهو إبليس ، وكذلك كان العلماء يقولون : لا ترغبوا في البقاء في هذه الدنيا فإن شرار الخلق أطولهم بقاء وهم الشياطين ، والغنى إنما يراد للبقاء ويقال : إن الجنيد رحمه الله تعالى باهل بن عطاء في هذه المسألة ودعا عليه لأنه أنكر قوله أشد الإنكار وكان يقول : الفقير الصابر أفضل من الغني الشاكر وإن تساويا في القيام بحكم حالهما لأن الغني التقي يمتع نفسه وينعم صفته والفقير الصابر قد أدخل على صفته الآلام والمكاره فقد زاد عليه بذلك ، وهذا كما قال وكذلك كان أحمد بن حنبل يقول : ما أعدل بالفقر شيئا وكان يفضل حال الفقر يعظم شأن الفقير الصابر وقال المروزي وذكر بعض الفقراء فجعل يمجده ويكثر السؤال عنه قال : فقلت له
قوت القلوب · الجزء ١ · الصفحة ٤٣٩
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
قوت القلوبج ١ · ص ٤٣٩
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي