الله تعالى قال وهب بن منبه لابن عباس : إنا نجد في التوراة أن الفقير المصلح خير من الغني المصلح ، قال ابن عباس : أما علمت أنه لا شيء أحب إلى الله تعالى من الفقير إذا كان صالحا وقيل : كان أحب الأسماء إلى عيسى عليه السلام أن يدعى به أن يقال له يا مسكين وكان يقول : من شر الغنى أن العبد يعصي ليستغني ولا يعصي ليفتقر ، وقد قال بعض حكمائنا في كلام منظوم : يا عائبا للفقر تبغي الغنى . . . عيب الغنى أعظم لو تعتبر إنك تعصي لتنال الغنى . . . ولست تعصي الله كي تفتقر وروينا في حديث عطاء عن أبي سعيد الخدري : يا أيها الناس لا تحملنكم العسرة والفاقة على أن تطلبوا الرزق من غير حله فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : اللهم توفني فقيرا ولا توفني غنيا واحشرني في زمرة المساكين ، وقال لقمان لابنه : يا بني إن من أعون الأخلاق على صلاح الدين زهدا في الدنيا ، من يزهد في الدنيا يرغب فيما عند الله تعالى ، ومن يرغب فيما عند الله تعالى يعمل لله تعالى ، ومن يعمل الله تعالى يأجره الله تعالى ، وقال الحواريون : يا روح الله نحن نصلي كما تصلي ونصوم كما تصوم ونذكر الله تعالى كما أمرتنا ولا نقدر نمشي على الماء كما تمشي أنت ، فقال : أخبروني كيف حبكم للدنيا قالوا : إنا لنحبها فقال : إن حبها يفسد الدين لكنها عندي بمنزلة الحجر والمدر ، وفي خبر آخر : إنه رفع حجرا فقال : أيهما أحب إليكم هذا أو الدنيار والدرهم ؟ قالوا الدنيار ، قال : فإنهما عندي سواء ويقال إن من صح زهده في الدنيا حتى يستوي عنده الذهب والحجر مشى على الماء وقد اشتهر ذلك في العامة حتى قال الشاعر : لو كان زهدك في الدنيا كزهدك في . . . وصلي مشيت بلا شك على الماء وروينا أن عيسى عليه السلام مر في سياحته برجل نائم ملتف في عباءة فأيقظه وقال : قم يا نائم فاذكر الله تعالى فقال : ما تريد مني ؟ إني قد تركت الدنيا لأهلها فقال له عيسى عليه السلام : نم حبيبي إذا نم ، وروينا عن موسى عليه السلام أنه مر برجل نائم على التراب وتحت رأسه لبنة ووجهه ولحيته في التراب وهو متزر بشمل عباءة فقال : يا رب عبدك هذا في الدنيا ضائع ، فأوحى الله تعالى إليه : يا موسى أما علمت أني إذا نظرت إلى عبدي بوجهي كله زويت عنه الدنيا كلها ، وأوحى الله سبحانه وتعالى إلى نبيه إسماعيل عليه السلام : اطلبني عند المنكسرة قلوبهم قال يا رب ومن هم قال الفقراء الصادقون ، فهذا كأنه مفسر لخبر موسى عليه السلام في وقوله أين أجدك قال : عند المنكسرة قلوبهم
قوت القلوب · الجزء ١ · الصفحة ٤٣٨
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
قوت القلوبج ١ · ص ٤٣٨
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي