تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أن تنكره ؟ قال : فإن لقن الله تعالى العبد حجته قال : يارب رجوتك وخفت الناس ، قال : لقد غفرت له ، وفي الخبرالمشهور : أن رجلا كان يداين الناس فيسمح لهم ويتجاوز عن المعسر فلقي الل تعالى ولم يعمل خيرا قط ، فقال الله تعالى سبحانه وتعالى : نحن أحق بذلك منك قال : فغفر له برجائه وظنه ، ثم يتفاوت الراجون في فضائل الرجاء ، فالمقربون منهم رجوا النصيب الأعلى من القرب والمجالسة والتجلي بمعاني الصفات مما عرفوه ؛ وهذا عن علمهم به وأصحاب اليمين من الراجين رجوا النصيب الأوفر من مزيده والفضل الأجزل من عطائه يقينا بما وعد ، ومن الرجاء : انشراح الصدر بأعمال البر وسرعة السبق والمبادرة بها خوف فوتها ورجاء قبولها ، ثم مهاجرة السوء ومجاهدة النفس رجاء انتجاز الموعور وتقربا إلى الرحيم الودود ، ومنه قول أصدق القائلين : ( إن الذين آمنواوالذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله ) البقرة : 218 وفسر رسول الله صلى الله عليه وسلم المهاجرة والمجاهدة فقال المهاجر : من هجر السوء ، والمجاهد : من جاهد نفسه في الله تعالى ، وأقام الصلاة التي هي خدمة المعبود ، وبذل المال سرا وعلانية وقليلا وكثيرا ، وأن لا يشتغل عن ذلك بتجارة الدنيا ، كما وصف الله سبحانه وتعالى المحققين من الراجين إذ يقول عز من قائل : ( إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور ) فاطر : 29 ومن الرجاء القنوت في ساعات الليل ؛ وهو طول القيام للتهجد ، والدعاء عند تجافي الجنوب عن المضاجع لما وقر في القلوب من المخاوف ، ولذلك وصف الله الراجين بهذا في قوله تعالى : ( أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ) الزمر : 9 فسمى أهل الرجاء والحذر وأهل التهجد آناء الليل علماء ، وحصل من دليل الكلام : أن من لم يخف ولم يرج غير عالم لنفيه المساواة بينهما ، وهذا مما يحذف خبره اكتفاء بأحد وصفيه إذ في الكلام دليل عليه فالرجاء هو أول مقام من اليقين عند المقربين وهو ظاهر أوصاف الصديقين ، ولايكمل في قلب عبد ، ولا يتحقق به صاحبه حتى يجتمع فيه هذه الأوصاف ؛ الإيمان بالله تعالى ، والمهاجرة إليه سبحانه وتعالى ، والمجاهدة فيه وتلاوة القرآن ، وإقامة الصلاة ، والإنفاق في سبيل الله تعالى ، ثم السجود آناء الليل ، والقيام والحذر مع ذلك كله ؛ فهذه جملة صفات الراجين ، وهو أول أحوال الموقنين ثم تتزايد الأعمال في ذلك ظاهرا وباطنا بالجوارح والقلوب عن تزايد الأنوار والعلوم ومكاشفات الغيوب بالأوصاف الموجودة وفصل الخطاب ، إن الخوف والرجاء طريقان إلى مقامين ؛ فالخوف طريق العلماء إلى مقام العلم ،

قوت القلوب · الجزء ١ · الصفحة ٣٦٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

قوت القلوبج ١ · ص ٣٦٤