تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في خدمة المولى فمن ذلك ما توجب المجاهدة صرف الهمة عنه وتطهير القلب منه من خطرات الهوى ونزعات الأعداء وتزيين الدنيا ، ومن الآفات ما يوجب الصبر كف الجوارح عنها وحبس النفس عن المشي فيها ، ومن الصبر حبس النفس على الحق وعكوفها عليه بمعاملة اللسان والقلب والجسم ، وبذلك ؛ وصف الله تعالى المؤمنين الذين يعملون الصالحات واشترط لصلاح أعمالهم الصبر وأخبر أن الناس كلهم في خسران إلا من كان من أهل الحق والصبر وعظم الصبر فأفرده بإعادة التواصي به ، ومن الصبر حبس النفس على عبادة الخالق سبحانه وتعالى ، وصبرها على القناعة وعلى صنع الرازق ، ومن الصبر كف الأذى عن الخلق ، وهو مقام العادلين يدخل في قوله تعالى : ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان ) النحل : 90 ، ثم احتمال الأذى عن الخلق وهو مقام المحسنين يدخل في قوله : والإحسان ، ومن الصبر الصبر على الإنفاق وإعطاء أهل الحقوق حقوقهم الأقرب فالأقرب وهذا مقام المنفقين يدخل في قوله تعالى : ( وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون ) النحل : 90 ومنه الصبر على الفحشاء وهو الأمر الفاحش في العلم والإيمان والصر عن المنكر وهو ما أنكره العلماد ، والصبر عن البغي وهو التطاول والغلو ومجاوزة الحد بالكبر والإسراف في أمور الدنيا ، فهذه الآية كلها جامعة لمعنى الصبر وهي قطب القرآن ، ثلاث منها وهي الأول الصبر على العدل والإحسان والإعطاء ، وثلاث منها الصبر عن الفحشاء والمنكر والبغي . وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول : أجمع آية في كتاب الله عز وجل لأمر ونهي هذه الاية ، وقال الله تعالى : ( ونعم أجر العاملين ) آل عمران : 136 الذين صبروا فما أنعم أجرهم حتى وصفهم بالصبر وما أكرم رزقهم ووصفهم حتى مدحهم بالصبر ، والصبر يحتاج إليه قبل العلم ، ومعه وبعده ، يحتاج في أول العمل أن يصبر على تصحيح النية وعزم العقود والوفاء بها حتى تصح الأعمال لأن النبي عليه السلام قال : إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى ، وقال الله تعالى : ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ) البينة : 5 ، وحقيقة النية الإخلاص ولأن الله تعالى قدم الصبر على العمل فقال تعالى : ( إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير ) هود : 11 ، والصبر : التأني في العمل حتى يتم ويعمل لقوله تعالى : ( ونعم أجر العاملين ) آل عمران : 136 الذين صبروا ، والصبر بعد العمل هو الصبر على كتمه وترك التظاهر به والنظر إليه ليخلص من السمعة والعجب فيكمل ثوابه كما خلص من الرياء ، كما قال الله تعالى : ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم ) محمد : 33 وقال تعالى في مثله : ( لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ) البقرة : 264 ، وقال بعض السلف لا يتم المعروف إلا بثلاث : تعجيله ، وتصغيره ، وكتمه ، ومن الصبر حبس النفس

قوت القلوب · الجزء ١ · الصفحة ٣٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

قوت القلوبج ١ · ص ٣٢٩