العلم ، ويقول أيضا مع ذلك : وأفضل أحوالهم الجوع لانتشار الحرام وغموض الحلال ، وقال بعض العلماء : الصمت نوم العقل والنطق يقظته وكل يقظة تحتاج إلى نوم وما صمت عاقل قط إلا اجتمع عقله وحضر لبه ، وفي وصية ابن عباس مجاهدا لا تتكلمن فيما لا يعنيك فإنه أسلم ولا آمن عليك الخطأ ولا تتكلم فيما لايعنيك حتى ترى له موضعا فرب متكلم فيما يعنيه قد وضعه في غير موضعه فعنت ، وقال بعض العلماء : يستبين ورع الرجل في منطقه وفي الخبر : من كثر كلامه كثر سقطه ، ومن كثر سقطه مات قلبه ، ويقال : إذا قل الكلام كثر الصواب ، وعن جماعة السلف : إن تسعة أعشار السلامة في الصمت ، ويقال : كل كلمة من هزل أو مزح أو لغو يوقف العبد عليها خمس مواقف بتوبيخ وتقرير ، أولها أن يقال له لم قلت كلمة كذا أكانت فيما يعنيك ؟ والثانية هل نفعتك إذ قلتها ؟ والثالثة هل ضرتك لو لم تقلها ؟ والرابعة ألا سكت فربحت السلامة من عاقبتها ؟ والخامسة هلا جعلت مكانها قول سبحان الله والحمد لله فغنمت ثوابها ، ويقال ما من كلمة إلا وينشر لها ثلاثة دواوين : الديوان الأول لم ، والثاني كيف ، والثالث لمن ، فإن نجا من الثلاث وإلا طال وقوفه للحساب ، وقال الحسن : لسان المؤمن وراء قلبه إذا أراد أن يتكلم تفكر فإن كان له تكلم وإن كان عليه أمسك ، وقلب المنافق على طرف لسانه أي كل شيء خطر بقلبه تكلم به ولا يتوقف ولا ينثني ، وفي الخبر : من آفة العالم أن يكون الكلام أعجب إليه من الصمت وفي الكلام تنميق وزيادة ، وفي الصمت سلامة وغنم ، وفي موعظة النبي صلى الله عليه وسلم طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس وأنفق الفضل من ماله وأمسك الفضل من قوله ، والأخبار في الصمت وفي جميع ماذكرناه من المعاني تكثر ولم نقصد جمعها وأما الخلوة فإنها تفرغ القلب من الخلق وتجمع الهم بأمر الخالق وتقوي العزم على الثبات إذ في مخالطة الناس وهن العزم وشتات الهم وضعف النية والخلوة تقل الأفكار في عاجل حظوظ النفس لفقد مشاهدتها بالأبصار لأن العين باب القلب ومنها يدخل آفاته وعندها توجد شهواته ولذاته ، وقد قال بعض العلماء : من كثرت لحظاته دامت حسراته والخلوة تجلب أفكار الآخرة وتجدد الإهتمام بها لما شهد به الإيقان وتنسي ادكار العباد وتواصل ذكر المعبود ، والخلوة من أكبر العوافي ، وذلك أنه قد جاء في الحديث : سلوا الله العافية فما أعطي عبد بعد اليقين أفضل من العافية ، ثم قد روي في الخبر : العزلة عن الناس عافية ، فدخل ذلك في معنى ماندب إليه من السؤال وفيما فضل بعد اليقين على جميع الأحوال ولا يكون المريد صادقا حتى يجد في الخلوة من اللذة والحلاوة والمزيد ما لا يجده في الجماعة ويجد في السر من النشاط والقوة ما لا يجده في العلانية ويكون أنسه في الوحدة وروحه في الخلوة وأحسن أعماله في السر ، ومثل الخلوة في الأحوال من المخالطة للناس مثل الخوف في المقامات من المحبة ، الخوف يصلح لجميع العابدين
قوت القلوب · الجزء ١ · الصفحة ١٧٣
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
قوت القلوبج ١ · ص ١٧٣
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي