الْجَفَاءُ؟ قَالَ أَبُو حَازِمٍ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَأَيُّ جَفَاءٍ رَأَيْتَ مِنِّي؟ قَالَ: أَتَانِي وُجُوهُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَلَمْ تَأْتِنِي، قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أُعِيذُكَ بِاللهِ أَنْ تَقُولَ مَا لَمْ يَكُنْ، مَا عَرَفْتَنِي قَبْلَ هَذَا الْيَوْمِ، وَلاَ أَنَا رَأَيْتُكَ!! قَالَ: فَالْتَفَتَ سُلَيْمَانُ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ فَقَالَ: أَصَابَ الشَّيْخُ وَأَخْطَأْتُ.
قَالَ سُلَيْمَانُ: يَا أَبَا حَازِمٍ مَا لَنَا نَكْرَهُ الْمَوْتَ؟ قَالَ: لأَنَّكُمْ أَخْرَبْتُمُ الآخِرَةَ وَعَمَّرْتُمُ الدُّنْيَا, فَكَرِهْتُمْ أَنْ تَنْتَقِلُوا مِنَ الْعُمْرَانِ إِلَى الْخَرَابِ, قَالَ: أَصَبْتَ يَا أَبَا حَازِمٍ, فَكَيْفَ الْقُدُومُ غدًا عَلَى الله؟ قَالَ: أَمَّا الْمُحْسِنُ فَكَالْغَائِبِ يَقْدُمُ عَلَى أَهْلِهِ، وَأَمَّا الْمُسِيءُ فَكَالآبِقِ يَقْدُمُ عَلَى مَوْلاَهُ, فَبَكَى سُلَيْمَانُ وَقَالَ: لَيْتَ شِعْرِي مَا لَنَا عِنْدَ الله؟ قَالَ: اعْرِضْ عَمَلَكَ عَلَى كِتَابِ الله, قَالَ: وَأَيُّ آيَةٍ, وَأَيُّ مَكَانٍ أَجِدُهُ؟ قَالَ: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ قَالَ سُلَيْمَانُ: فَأَيْنَ رَحْمَةُ الله يَا أَبَا حَازِمٍ؟ قَالَ أَبُو حَازِمٍ: ﴿قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾، قَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ: يَا أَبَا حَازِمٍ فَأَيُّ عِبَادِ الله أَكْرَمُ؟ قَالَ: أُولُو الْمُرُوءَةِ وَالنُّهَى, قَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ: فَأَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ أَبُو حَازِمٍ: أَدَاءُ الْفَرَائِضِ مَعَ اجْتِنَابِ الْمَحَارِمِ, قَالَ سُلَيْمَانُ: فَأَيُّ الدُّعَاءِ أَسْمَعُ؟ قَالَ أَبُو حَازِمٍ: دُعَاءُ الْمُحْسَنِ إِلَيْهِ لِلْمُحْسِنِ, قَالَ: أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: لِلسَّائِلِ الْبَائِسِ وَجُهْدُ الْمُقِلِّ, لَيْسَ فِيهَا مَنٌّ وَلاَ أَذًى, قَالَ: فَأَيُّ الْقَوْلِ أَعْدَلُ؟ قَالَ: قَوْلُ الْحَقِّ عِنْدَ مَنْ تَخَافُهُ أَو تَرْجُوهُ, قَالَ: فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَكْيَسُ؟ قَالَ: رَجُلٌ عَمِلَ بِطَاعَةِ الله, وَدَلَّ النَّاسَ عَلَيْهَا, قَالَ: فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَحْمَقُ؟ قَالَ: رَجُلٌ انْحَطَّ فِي هَوَى أَخِيهِ وَهُوَ ظَالِمٌ فَبَاعَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَا غَيْرِهِ, قَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ: أَصَبْتَ, فَمَا تَقُولُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ؟ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَوَ تُعْفِنِي؟ قَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ: لاَ, وَلَكِنْ نَصِيحَةٌ تُلْقِيهَا إِلَيَّ, قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ آبَاءَكَ قَهَرُوا النَّاسَ بِالسَّيْفِ, وَأَخَذُوا هَذَا الْمُلْكَ عُنْوَةً عَلَى غَيْرِ مَشُورَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلاَ رِضًا مِنْهُمْ, حَتَّى قَتَلُوا مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً, فَقَدِ ارْتَحَلُوا عَنْهَا, فَلَوْ شَعَرْتَ مَا قَالُوا وَمَا قِيلَ لَهُمْ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ جُلَسَائِهِ: بِئْسَمَا مَا قُلْتَ يَا أَبَا حَازِمٍ, قَالَ أَبُو حَازِمٍ: كَذَبْتَ, إِنَّ اللهَ أَخَذَ مِيثَاقَ الْعُلَمَاءِ ﴿لَيُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ يَكْتُمُونَهُ﴾، قَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ: فَكَيْفَ لَنَا أَنْ نُصْلِحَ؟ قَالَ: تَدَعُونَ الصَّلَفَ, وَتُمْسِكُونَ بِالْمُرُوءَةِ, وَتَقْسِمُونَ بِالسَّوِيَّةِ, قَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ: كَيْفَ لَنَا بِالْمَأْخَذِ بِهِ؟ قَالَ أَبُو حَازِمٍ: تَأْخُذُهُ مِنْ