أبو عبيد عن الأصمعي في باب تشبيه الرجل بأبيه : العصا من العصية . قال أبو عبيد هكذا قال ، وأنا أحسبه العصية من العصا ، إلا أن يراد به أن الشيء الجليل إنما يكون في بدئه صغيرا ، كما قالوا : إن القرم من الأفيل . فيجوز على هذا المعنى أن يقال : العصا من العصية .
وأخبرني المنذري عن أبي الهيثم أنه قال : العصا تضرب مثلا للاجتماع ، ويضرب انشقاقها مثلا للافتراق الذي لا يكون بعده اجتماع . وذلك أنها لا تدعى عصا إذا تشققت .
وأنشد :
فلله شعبا طية صدعا العصا
هي اليوم شتى وهي أمس جميع
قوله : فلله له معنيان : أحدهما أنها لام التعجب ، تعجب مما كانا فيه من الأنس واجتماع الشمل ، والثاني أن ذلك مصيبة موجعة فقال : لله ذلك يفعل ما يشاء ، ولا حيلة فيه للعباد إلا التسليم كالاسترجاع .
ويقال : قرع فلان فلانا بعصا الملامة إذا بالغ في عذله . ولذلك قيل للتوبيخ : تقريع .
وقال أبو سعيد : يقال فلان يصلي عصا فلان أي يدبر أمره ويليه . وأنشد :
وما صلى عصاك كمستديم
قلت : والأصل في تصلية العصا أنها إذا اعوجت ألزمها مقومها حر النار حتى تلين له وتجيب التثقيف .
يقال : صليت العصا النار إذا ألزمتها حرها حتى تلين لغامزها . وتفاريق العصا عند العرب أن العصا إذا انكسرت جعلت أشظة ، ثم تجعل الأشظة أوتادا ، ثم تجعل الأوتاد توادي للصرار .
يقال : هو خير من تفاريق العصا وكانت العصا لجذيمة الأبرش ، وهي اسم فرس كانت من سوابق خيل العرب . ويقال للعصا : عصاة بالهاء . يقال أخذت عصاته ومنهم من كره هذه اللغة ومن أمثالهم : إن العصا قرعت لذي الحلم ، وذلك أن بعض حكام العرب أسن وضعف عن الحكم ، فكان إذا احتكم إليه خصمان وزل في الحكم قرع له بعض ولده العصا يفطنه بقرعها للصواب فيفطن له ، ويقال للقوم إذا استذلوا : ما هم إلا عبيد العصا . ويقال : عرق عاص ، إذا لم يرقأ دمه :
هو العاند النحار ، ومنه قول ذي الرمة :
وهن من واطىء تثنى حويته
وناشج وعواصي الجوف تنشخب ، يعني عروقا تقطعت في الجوف فلم يرقأ دمها ويقال عصى فلان أميره يعصيه عصيا وعصيانا إذا لم يطعه ، وعصى العبد ربه إذا خالف أمره . ويقال للجماعة إذا خرجت عن طاعة السلطان : قد استعصت عليه . ويقال فلان يعصى الريح إذا استقبل مهبها ولم يتعرض لها ، اعتصى فلان بالعصا إذا توكأ عليها فهو معتص بها .
أبو العباس عن ابن الأعرابي يقال : عصاه يعصوه إذا ضربه بالعصا قال وعصي يعصى إذا لعب بالعصا كلعبه بالسيف .