حجة لمن يجعل المتساومين بيعين ولما ينعقد بينهما البيع . والمعنى الثاني الذي يرد تأويله ما في سياق خبر ابن عمر ، وهو ما حدثنا به الحسين بن إدريس عن محمد بن رمح عن الليث بن سعد عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ، إلا أن يخير أحدهما صاحبه ، فإذا قال له : اختر فقد وجب البيع ، وإن لم يتفرقا ) ألا تراه جعل البيع ينعقد بأحد شيئين أحدهما أن يتفرقا عن مكانهما الذي تبايعا فيه ، والآخر أن يخير أحدهما صاحبه ، ولا معنى للتخيير إلا بعد انعقاد البيع . وقد شرحت هذا في تفسير حروف ( المختصر ) بأوضح من هذا ، فإن أردت استقصاء ما فيه فخذه من ذلك الكتاب .
وقال الليث : البوع والباع لغتان ، ولكنهم يسمون البوع في الخلقة ، فأما بسط الباع في الكرم ونحوه فلا يقولون إلا كريم الباع ، قال والبوع أيضا : مصدر باع يبوع وهو بسط الباع في المشي ، والإبل تبوع في سيرها ، والرجل يبوع بماله إذا بسط به باعه وأنشد :
لقد خفت أن ألقى المنايا ولم أنل
من المال ما أسمو به وأبوع
والبياعات : الأشياء التي يتبايع بها في التجارة . وقال : البيعة الصفقة لإيجاب البيع على المتابعة والطاعة . يقال : تبايعوا على ذلك الأمر ؛ كقولك أصفقوا عليه . قال : والبيع : اسم يقع على المبيع ، والجميع البيوع . قال والبيعة : كنيسة النصارى . وجمعها بيع ، وهو قول الله تعالى : ﴿ وبيع وصلوات ومساجد ﴾ . ( الحج : 40 ) قلت : فإن قال قائل : فلم جعل الله هدمها من الفساد وجعلها كالمساجد ، وقد جاء الكتاب بنسخ شريعة النصارى واليهود ؟ فالجواب في ذلك أن البيع والصوامع كانت متعبدات لهم إذ كانوا مستقيمين على ما أمروا به غير مبدلين ولا مغيرين ، فأخبر الله جل ثناؤه أنه لولا دفعه الناس عن الفساد ببعض الناس لهدمت متعبدات كل فريق من أهل دينه وطاعته في كل زمان . فبدأ بذكر البيع على المساجد لأن صلوات من تقدم من أنبياء بني إسرائيل وأممهم كانت فيها قبل نزول الفرقان ، وقبل تبديل من بدل وأحدثت المساجد وسميت بهذا الاسم بعدهم ، فبدأ جل ثناؤه بذكر الأقدم ، وأخر ذكر الأحدث لهذا المعنى ، والله أعلم .
وقال بعض أهل العربية : يقال : إن رباع بني فلان قد بعن من البيع . وقد بعن من البوع فضم الباء في البيع ، وكسروها في البوع للفرق بين الفاعل والمفعول ، ألا ترى أنك تقول : رأيت إماء بعن متاعا إذا كن بائعات ، ثم تقول : رأيت إماء بعن إذا كن مبيعات ، فإنما يتبين الفاعل من الفاعل باختلاف الحركات وكذلك من البوع .
قلت : ومن العرب من يجري ذوات الياء على الكسر وذوات الواو على الضم . سمعت العرب تقول صفنا بمكان كذا وكذا أي أقمنا به في الصيف وصفنا أيضا إذا أصابنا مطر الصيف ، فلم يفرقوا بين فعل الفاعلين والمفعولين .