الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ ١:
فَنَقُولُ: إِذَا رَأَيْتَ٢ فِي الْمَدَنِيَّاتِ أَصْلًا كُلِّيًّا فَتَأَمَّلْهُ تَجِدْهُ جُزْئِيًّا٣ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْهُ، أَوْ تَكْمِيلًا٤ لِأَصْلٍ كُلِّيٍّ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْأُصُولَ الْكُلِّيَّةَ الَّتِي جَاءَتِ الشَّرِيعَةُ بِحِفْظِهَا خَمْسَةٌ، وَهِيَ: الدِّينُ، وَالنَّفْسُ، وَالْعَقْلُ، وَالنَّسْلُ٥، وَالْمَالُ.
أَمَّا الدِّينُ؛ فَهُوَ أَصْلُ مَا دَعَا إِلَيْهِ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ وَمَا نَشَأَ عَنْهُمَا، وَهُوَ أَوَّلُ مَا نَزَلَ بِمَكَّةَ.
وَأَمَّا النَّفْسُ؛ فَظَاهِرٌ إِنْزَالُ حِفْظِهَا بِمَكَّةَ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١٥١] .
﴿وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ، بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التَّكْوِيرِ: ٨]،.
﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ ٦ [الأنعام: ١١٩] .
وأشباه ذلك.
١ انظر في هذا أيضا: "مجموع فتاوى ابن تيمية" "١٥/ ١٦٠ و١٧/ ١٢٦".
٢ في "ط": "أردت".
٣ كالجهاد؛ فهو جزئي من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما سيقرره قريبا، لم يفرض إلا في المدينة بعد الإذن به أولا بآية: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ ...﴾ إلخ [الحج: ٣٩]، ثم لمن قاتلهم دون من لم يقاتلهم، ثم قال المشركين كافة، خلافا لمن قال: إنه فرض بمكة؛ فإنه غلط لوجوه ستة ذكرها ابن القيم في "زاد المعاد" [٣/ ٧٠-٧١] . "د". وانظره: "٥/ ٢٣٥-٢٣٦".
٤ كالنهي عن شرب الخمر تكميلا لاجتناب الإثم والعدوان كما سيقول. "د".
٥ في الأصل: "والنسب" وتكرر ذلك.
٦ ومحل الدليل قوله: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾؛ أي: من محرمات الأكل لحفظ النفس؛ فواجب تناوله. "د".