فذهب أبو سفيان ليمدد ليجدد العقد ويزيد في المدة وقد مر معنا ونحن نتحدث عن معركة مؤتة ان معركة مؤتة وفتح خيبر جعلت قريشاً تشتد مهابتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم وجيشه.
فأتى أبو سفيان المدينة , أبو سفيان ابن حرب من بني أمية شخصيةٌ قيادية كان أمر الحرب أصلاً في بني أمية فكان يقودهم في الحروب لأن قريشاً كانت لها مفاخر عشر تقسّمه بينهم مر معنا شيءٌ منها كثير , فعمد أبو سفيان إلى المدينة وقدم إليها يريد أن يجدد الصلح ويمدد العقد وكان النبي عليه الصلاة والسلام قد قال لأصحابه: كأني بأبي سفيان قد أتى يجدد العقد ويمدد المدة.
فقد أبو سفيان بدأ بدار ابنته أم حبيبة زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأم حبيبة تزوجها النبي عليه الصلاة والسلام في أرض الحبشة ثم عادت من الهجرة , فلما دخل عليها طوت عنه الفراش فقال: يا بنيتي لا أدري وهذا من اعتداده لنفسه أرغبتِ بي عنه أو رغبتِ به عني؟.
قالت: لا والله إلا أنكَ رجلٌ مشرك نجس وهذا فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أحب أن تطأه.
فقال: يا بنية لقد أصابكِ بعدِ شر.
القياديون في كل عصر بصرف النظر عن معتقدهم يحاولون أن يبلّغوا برسالةٍ ما إلى كل من يلقاهم إلى أنهم أهل قيادة أحياناً في الكلام وأحياناً في الفعل فالكليم موسى عليه السلام لما ركب السفينة مع الخضر وكان من أمر الخضر ما كان من خرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار في كل الأحوال كان موسى ينكر ويحتد ويشتد ويحتد لأنه ما جرت عادته أن يسكت يعني لم يتعود أن يكون تابعاً وإنما جرت عادته أنه يفقه كل ما يجري حوله , فشخصية موسى عليه السلام القيادية هي التي جعلته أكثر الأحوال ينكر على الخضر.
المقصود أن أبا سفيان كان يفقه أن ابنته تصنع هذا لعدم قناعتها به لكونه مشرك لكن أحب أن يبيّن اعتداده بنفسه وان هذا له تأويلٌ آخر فقال: يا بنيتي لقد أصابكِ بعدِ شر ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فكلّمه.
المقدم: صلى الله عليه وسلم.
الشيخ صالح المغامسي: فلم يرد عليه بشيء , فأتى أبا بكر فلم يجبه .... هنا أنا أقف ...
قلت في لقاء سابق ان أبا بكر من أكثر الناس هدياً يشبه هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان من جواب أبي بكر لعمر يوم صلح الحديبية هو جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر فالرسول عليه الصلاة والسلام هنا لم يجب أبا سفيان بشيء وكذلك أبو بكر لم يجب بشيء فأتى عمر يستشفع به فقال: أأنا أشفع لكم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ , والله لو لم أجد إلا الذر لقاتلتكم به , معلوم أن الذر من أضعاف مخلوقات الله هو يريد أن يبيّن عن مكنون العداوة التي في قلبه.
ثم أتى عليً وقال إنك ألصق القوم بي رحماً فاشفع لي , فاعتذر علي لأنه لا يستطيع أن يكلّم النبي صلى الله عليه وسلم ولكن جرى كلام ما بين علي وأبي سفيان.
فلما يأس أبو سفيان من علي إذا بالحسن يلعب هو يومئذٍ صبي وعنده أمه فاطمة فعمد أبو سفيان إلى فاطمة وقال لها: يا فاطمة هل لكِ في مجدٍ لابنك أن يكون سيد العرب أن يقوم فيجير بين الناس على الحسن يعني هو يريد أن يخدعها ولن تخدع امرأةً في ابنها بأعظم من المجد لأن كل امرأة تحب أن يكون ابنها ذا مجد.
فقالت: لم يبلغ ابني أن يجير بين الناس هي عاقلة وهي كفاها مجداً أنها ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا سبطه.
المقدم: وأدركت مغزاه.
الشيخ صالح المغامسي: وأدركت مغزاه , فقالت: لم يبلغ ابني هذا أن يجير بين الناس ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا أحد يجير عليه.
فردت جوابه فقال لعليٍ عاد لعلي: هل تشير علي بشيء؟ , أو أرجع خائباً؟.
قال: إنك سيد بني كنانة.
فقول عليٍ رضي الله عنه إنك سيد بني كنانة وهو يومئذٍ مشرك وحامل لواء الشرك والحرب إنما هو إخباره بواقع , فلما يأتي أحد من أهل الإسلام ويمدح أحداً من أهل الكفر بما هو عليه عند قومه لا يعد هذا إذهاباً لما يعرف أو لما هو قائمٌ في أرواحنا من عقيدة الولاء والبراء.
فلا نحكم على الناس ونتعجل في الحكم ونثرّب في اللوم ونكثر في التثريب إن سمعنا بعض العبارات أو بعض الألفاظ فظننا بأخينا سوءً لا بد للإنسان أن يتكلم عن وعيٍ وعن بصيرةٍ وعن عقلٍ وعن إدراك ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾.
فهذه السيرة نحن لا نتدارسها وما مكث هنا صالحٌ وعبد الرحمن ليقول الناس كذا وكان كذا , نحن نعلم أن ما نمليه على الناس من معلومات هي ليست ملكاً لنا هي مكتوبة في السيرة من قبل وقرأها الناس قبل ان ينظروا إلينا لكن المهم جداً الغاية في مثل هذه الدروس أن يفقه الناس العلم من سيرته صلى الله عليه وسلم من أحداث ذلكم الجيل الأمثل والرأي الأكمل.
فهذا علي ابن أبي طالب رابع الخلفاء الراشدين المهديين هو هو في مقامه يعني هذا لا يجهله أحد ورابع العشرة المبشرين ومع النبي صلى الله عليه وسلم في مقامٍ واحد يقول لأبي سفيان: إنك سيد بني كنانة , فلا يفهم من هذا أنه عظّم أهل الكفر أو أنه أجلّهم هو الآن في موقف المستشار فقال إنك سيد بني كنانة فقم فأجر بين الناس قل إني أجرت بين الناس.
فقال أبو سفيان له: أوتظن هذا يغني شيئاً؟.