| على أن هذا وإن ساغ في حديث مالك عن نافع عن ابن عمر على وهن وضعف ، | فليس يسوغ في حديث غيره ؛ لأن النص يدفعه من قوله : أو يقول لصاحبه : اختر ، فإن ما | بعد ذلك يخالف ما قبله .
وأما الانفصال عن قولهم : إن حمله على الخيار حين التساوم حقيقة وبعد العقد | مجاز : فمن وجهين :
أحدهما : أن حمله عليها وقت التساوم مجاز ، وبعد العقد حقيقة لغة وشرعا : فأما | اللغة ، فلأن البيع مشتق من فعل ، والأسماء المشتقة من الأفعال لا تنطلق على مسمياتها إلا | بعد وجود الأفعال ، كالضارب والقاتل : لا يتناول المسمى به إلا بعد وجود الضرب والقتل ، | كذلك البائع لا ينطلق عليه اسم البيع إلا بعد وجود البيع منه ، والبيع إنما يوجد بعد العقد ، | فأما حين التساوم فلا .
فأما الشرع ، فلأنه لو قال لعبده : إذا بعتك فأنت حر لم يعتق عليه بالمساومة ، فإذا تم | العقد عتق عليه ، فلذلك قال مالك وأبو حنيفة : إذا باعه بيعا لا خيار فيه ، لم يعتق عليه ، لأنه | يصير بائعا بعد العقد ، وقد زال ملكه بالعقد ، وانقطع خياره ، فلم يعتق عليه من بعد .
والثاني : أن تسميتنا له بائعا بعد انقضاء البيع ، إن كان مجازا من حيث يقال : كانا | متبايعين ، فالحمل عليه وقت التساوم وجاز أيضا حتى يوجد القبول ، وإلا فيقال : سيكونان | متبايعين ، وإذا كان ذلك مجازا فيهما جميعا ، كان ما ذكرنا أولى من وجهين :
أحدهما : أن الاسم وإن انطلق عليهما بعد العقد مجازا ، فقد استقر بوجود البيع ، وهو | قبل العقد غير مستقر ، لجواز أن لا يتم البيع .
والثاني : أن اسم البائع والمشتري من الأسماء المشتركة ، كالوالد والولد ، فلا يوجد | المشتري إلا في مقابلة البائع ، ولا يوجد البائع إلا في مقابلة المشتري ، فلو كان البائع بعد | البذل وقبل القبول يسمى بائعا ، لجاز أن يكون الطالب قبل القبول يسمى مشتريا ، فلما لم | يسم الطالب مشتريا إلا بعد القبول ، لم يسم الباذل بائعا إلا بعد القبول .
على أن هذا التأويل إنما يسوغ مع وهاية في قوله : المتبايعان فأما في قوله البيعان فلا | يسوغ فيه . فنستعمل الروايتين ، ونحمله على اختلاف معنيين ، فيكون أولى من حمله على | أحدهما .
فبطل هذا التأويل بما ذكرنا من الدليل والانفصال ، واستقر ما ذكرنا من الوجوه في أدلة | الأخبار .
فأما المعنى النظري فهو أنه خيار ورد به الشرع ، فوجب أن يعتبر حكمه بعد العقد ، | أصله خيار الثلاث . |