والضرب الثاني : أن يكونا إليه سواء ، وأحدهما أبعد من الحرم ففيه لأصحابنا | وجهان :
أحدهما : أنه يتوخى في الذي هو أبعد من الحرم لما فيه من الاحتياط وكثرة العمل .
والوجه الثاني : وهو الصحيح ، وبه قال جمهور أصحابنا : إنه مخير فيهما يتوخى في | أيهما يشاء ، لأن حكم الميقاتين واحد ، وإن كان أحدهما أبعد من الآخر ، فوجب أن يكون | حكم اجتهاده فيهما واحدا ، وإن كان أحدهما أبعد ، والله أعلم .
| مسألة
: قال الشافعي رضي الله عنه : ' ولو أتى على ميقات لا يريد حجا ولا عمرة ، | فجاوزه ثم بدا له أن يحرم ، أحرم منه ، وذلك ميقاته ' .
قال الماوردي : هذا صحيح ، وجملة ذلك ، أن من مر ميقات بلده لم يخل حاله من | ثلاثة أقسام :
أحدها : أن يريد الإحرام بنسك من حج أو عمرة .
والثاني : أن لا يريد الإحرام بنسك ولكن يريد دخول مكة .
والثالث : أن لا يريد الإحرام بنسك ولا يريد دخول مكة فأما القسم الأول وهو أن يريد | الإحرام بنسك من حج أو عمرة ، فواجب عليه أن يحرم به من ميقات بلده ، وهو قول | الجماعة إلا الحسن البصري ، وإبراهيم النخعي ، فإنهما قالا : الإحرام من الميقات مستحب | وليس بواجب ، ومن تركه فلا شيء عليه ، وهذا مذهب شاذ واضح الفساد ، يبطل بما تقدم | ذكره من أمر رسول الله [
| ] وفعله ؛ لأن الإحرام ركن لا يصح الحج إلا به ، وأركان الحج | مقدرة بالشرع ، والشرع قد ورد بتقدير الإحرام في الميقات ، فدل على وجوبه لتقدير الإحرام | به . |
فصل
| : فإذا ثبت أن الإحرام من الميقات واجب ، فعليه إذا جاوزه غير محرم أن يعود | إليه فيحرم منه ، فإن عاد إليه ، فابتداء إحرامه منه أجزأه ، ولا دم عليه بإجماع ، وإن أحرم | بعده ولم يبدأ بالإحرام منه ، فإحرامه منعقد ، وحجه تام على قول الفقهاء ، وقال سعيد بن | جبير : لا إحرام له ولا حج ، إلحاقا بإحرام الصلاة إذا وقع فاسدا لم تنعقد به الصلاة ، وهذا | غلط ، وكفى بإلحاقه بالصلاة حجة ، وذلك أن الإحرام بالحج ينعقد لمجرد النية ، كما أن | الصلاة تنعقد بالتكبير مع النية ، والميقات في الحج كالوقت للصلاة ، ثم ثبت أنه لو أحرم | بالصلاة بعد خروج وقتها لم يبطل إحرامه ، فكذلك إذا أحرم بالحج بعد مجاوزة ميقاته لم | يبطل إحرامه . |