أحدهما : أن قوله تعالى : ^ ( لا تقتلوا الصيد ) ^ إشارة إلى جنس الصيد ؛ لأن الألف | واللام يدخلان لجنس أو معهود ، وليس في صيد معهود فثبت دخولهما للجنس ، ولفظ | الجنس يستوعب جملته وآحاده ، ثم قال الله تعالى : ^ ( ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما | قتل من النعم ) ^ ( المائدة : 95 ) فكان ذلك عائدا إلى جملة الجنس وآحاده ؛ لأنه عطف عليه | بها الكناية ، وحكم العطف أن يعود إلى ما تناوله المعطوف عليه .
فإن قيل فقوله تعالى : ^ ( ومن قتله منكم متعمدا ) ^ يعني ومن قتل واحدا من الجنس | دون جميعه ، لأنه لو أراد جميع الجنس لكانت الكناية عائدة إليه بالهاء والألف فيقول : ومن | قتلها منكم متعمدا قيل : إنما ترجع الكناية بالهاء والألف إذا عادت إلى استغراق الجنس من | جهة اللفظ دون المعنى كقولهم صيود فأما إذا عادت إلى لفظ يستغرق الجنس من جهة | المعنى دون اللفظ فإنما تعود بكناية التذكير والتوحيد وهي الهاء دون الألف كقولهم : من | دخل الدار فله درهم ، ' فمن ' وإن كانت تتناول الجنس من الرجال والنساء فقد عادت الكناية | إليه في قولهم : فله درهم بلفظ التوحيد والتذكير ، لأن استغراق الجنس من جهة المعنى دون | اللفظ ، كذلك الصيد إنما علم استغراق جنسه من جهة المعنى وهو دخول الألف واللام دون | اللفظ فجاز أن تعود الكناية بالهاء دون الألف والدلالة الثانية من الآية قوله تعالى : ^ ( فجزاء | مثل ما قتل من النعم ) ^ فأوجب مثل ما قتل فإذا قتل صيدين وجب عليه مثلهما ، لأن الجزاء | الواحد لا يكون مثلا لهما ، ولأنها نفس مضمونة بالتكفير فوجب أن يكون تكرار القتل موجبا | لتكرار التكفير كنفوس الآدميين ، ولأنه غرم مال يجب بالإتلاف فوجب أن يتكرر الغرم فيه | بتكرر الفعل منه كأموال الآدميين .
فأما استدلاله من الآية بقوله : إن الحكم المعلق بما لا يوجب تكراره بتكرار الفعل | كقوله : من دخل الدار فله درهم . فالجواب : أن الحكم المعلق ب ' من ' لا يتكرر بتكرار | الفعل إذا كان الفعل الثاني واقعا في محل الفعل الأول فأما إذا كان الفعل الثاني واقعا في | غير محل الفعل الأول فإن تكرار الفعل يوجب تكرار الحكم كقوله ' من دخل داري فله | درهم ' فإذا دخل دارا له استحق درهما ولو دخل دارا له أخرى استحق ثانيا كذلك الصيد لما | كان الثاني غير الأول وجب أن يتعلق بالثاني مثل ما تعلق بالأول وأما استدلاله بقوله تعالى : | ^ ( ومن عاد فينتقم الله منه ) ^ فالجواب عنه أن معناه ومن عاد في الإسلام فينتقم الله منه | بالجزاء ؛ لأن قبله قوله تعالى : ^ ( عفا الله عما سلف ) ^ يعني : في الجاهلية ثم قال : ' ومن | عاد ' يعني : في الإسلام ' فينتقم الله منه ' يعني : بالجزاء هكذا فسره عطاء وغيره ، ولفظ | الآية لا يقتضي غيره .
قال الشافعي : ولا يعاقبه الإمام فيه ، لأن هذا ذنب جعلت عقوبته فدية إلا أن يزعم أنه | يأتي ذلك عامدا مستخفا والله أعلم بالصواب . |