تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والدلالة عليه مع إجماع الصحابة والتابعين قوله تعالى : ^ ( إنما الخمر والميسر | والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان ) ^ [ المائدة : 90 ]

والأرجاس : أنجاس إلا ما قامت الدلالة على طهارتها ، ولأنه مائع ورد الشرع بإراقته | فوجب أن يكون نجسا كالسمن الذائب إذا وقعت فيه فأرة فأما الآية فتقتضي طهارة الخمر في | الجنة ، وهذا مسلم وإنما الخلاف معه في طهارتها ونجاستها في الدنيا وغير منكر أن تكون | في الدنيا نجسة ويقلب الله سبحانه وتعالى عينها في الآخرة ، ويغير حكمها ، فإذا ثبتت | نجاسة الخمر بما ذكرناه فمتى أصابت الأرض فقد نجست فإن كشط الطبقة التي لاقاها | الخمر فقد طهر المكان أيضا ، وإن زال ريحه وبقي لونه فالمكان نجس ؛ لأن اللون عرض ، | والعرض لا يقوم بنفسه ، فكان بقاؤه دليلا على بقاء عينه ، فلو ذهب لونه وبقي ريحه فإن كان | ذلك لتقصير الغاسل لغسله ، ويعلم أنه إن أعيد غسله زالت الرائحة فالمكان نجس وإن كان | بقاء الرائحة من غير تقصير الغسل ففي طهارة المكان قولان منصوصان :

أحدهما : نجس ، لأن رسول الله [ $ ] قال : ' خلق الماء طهورا لا ينجسه إلا ما غير | لونه أو طعمه أو ريحه ' فجعل الرائحة كاللون في التنجيس للماء كذلك رائحة الخمر كلونه | في تنجيس الأرض به

والقول الثاني : إن المكان طاهر مع بقاء الرائحة ؛ لأن الخمر ذكي الريح ، فإذا جاوز | أرضا تعدى ريحه لقوة ذكائه فيما جاوره واتصل به من غير حلول جزء من العين فيه ؛ فصار | ذلك ك ' الميتة ' على حافة بئر طال مكثها ، وراح الماء بها لتعدي رائحتها ، فلما كان الماء | طاهر ، أو تغير ريحه ، لأن التغيير بمجاورة الميتة وتعدي الرائحة وجب أن يكون بقاء ريح | الخمر لا يوجب تنجيس المحل وكان اللون مفارقا له ، لأن اللون لا يتعدى إلى ما جاوره | والرائحة متعدية

فأما الثوب إذا بقيت فيه رائحة الخمر [ فهو على نجاسته حتى تزول الرائحة عنه بخلاف | الأرض لأن حكم النجاسة فيها أخف لكونها معتدية للأنجاس ولأن رائحة الخمر ] لا تتعدى | إلى الثوب إلا بحلول أجزاء الخمر فيه لبعده منه فشابه لون الخمر في الأرض ، فأما الإناء إذا | بقيت فيه رائحة الخمر فلم تزل بالغسل فهو أخف حكما من الأرض ، فمن أصحابنا من قال : | يطهر قولا واحدا ؛ لأن بقاء الرائحة فيه لطول المكث وكثرة المجاورة ، ومنهم من قال : هو | على قولين كالأرض سواء فأما النيل والحناء إذا بلا ببول وخضب به اليد أو ثوب ، ثم غسل | فلم يبق إلا لونه فقد حكي عن الشافعي طهارته ، لأن اللون عرض ، والنجاسة لا تخالط | العرض ، وإنما تخالط العين فإذا زالت العين التي هي محل النجاسة زالت النجاسة بزوال | محلها |

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني · الجزء ٢ · الصفحة ٢٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزنيج ٢ · ص ٢٦٠