|
| ( فصل )
: فأما شهادة الأعمى فيما يدرك بالسمع والبصر من العقود والإقرار ، | فمردودة عندنا وغير مقبولة ، وبه قال من الصحابة علي بن أبي طالب عليه السلام ، | ومن التابعين الحسن البصري ، وسعيد بن جبير ، والنخعي ، ومن الفقهاء سفيان | الثوري ، وأبو حنيفة وصاحباه وسوار بن عبد الله القاضي من فقهاء البصرة ، وأكثر | فقهاء الكوفة .
وقال مالك : تقبل فيه شهادة الأعمى إذا عرف المشهود عليه بصوته الذي عرفه به | على قديم الوقت وحديثه ، وبه قال من الصحابة عبد الله بن عباس ، ومن التابعين شريح | وعطاء ، والزهري ، ومن الفقهاء الليث بن سعد وابن أبي ليلى ، وداود ، وابن جرير | الطبري ، وحكي ذلك عن المزني ، استدلالا بقول الله تعالى : ^ ( واستشهدوا شهيدين من | رجالكم ) ^ [ البقرة : 282 ] فكان على عمومه في البصير والأعمى ، ولأن نبي الله شعيبا | قد كان أعمى ، وقد نبه عليه قوله تعالى ^ ( وإنا لنراك فينا ضعيفا ) ^ [ هود : 91 ] أي | ضريرا ، ^ ( ولولا رهطك لرجعناك ) ^ [ هود : 91 ] أي قومك وقال بعضهم أي : شيبتك | البيضاء ، لأنه قد يحتشم لأجل الشيبة كما يحتشم لأجل رهطه ، فلما لم يمنع العمى من | الشهادة على الله تعالى بالنبوة ، فأولى أن لا يمنع من الشهادة على المخلوقين | بالأموال .
ولأن من صح أن يتحمل الشهادة في الأنساب والأملاك صح أن يتحملها في | العقود والإقرار ، كالبصير .
ولأن الشهادة إذا افتقرت إلى حاسة لم يعتبر فيها حاسة أخرى ، لأن الأفعال لما | افتقر فيها إلى البصر لم يعتبر فيها السماع ، والأنساب لما افتقرت إلى السماع لم يعتبر | فيها البصر ، فوجب إذا افتقرت العقود إلى السماع أن لا يعتبر فيها المشاهدة ، لأن | أصول الشهادة تمنع من الجمع بين حاستين ولأن الصور تختلف والأصوات تختلف ، | فلما لم يمنع اختلاف الصور من الشهادة لم يمنع اختلاف الأصوات من الشهادة بها .
ولأن الصوت يدل على معرفة المصوت كما يستدل الأعمى بصوت زوجته على | إباحة الاستمتاع بها ، وكما يستدل بصوت المحدث على سماع الحديث منه وروايته | عنه ، كذلك يستدل بصوت العاقد والمقر على جواز الشهادة عليهما وقد سمعت | الصحابة الحديث من أزواج رسول الله [ $ ] وهن من وراء حجاب ، ولم تكن المشاهدة | مع معرفة الصوت معتبرة .
ودليلنا قول الله تعالى : ^ ( وما يستوي الأعمى والبصير ) ^ [ فاطر : 35 ] فكان على | عمومه إلا ما خصه دليل وقال تعالى : ^ ( ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر | والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا ) ^ [ الإسراء : 36 ] فجمع في العلم بين السمع |