فأما ما كان عن مباشرة فكضربة سيف أو رمية بحجر أو قرعة بعصى ، إما على | رأسه أو ما قرب من قلبه ، فإذا ذهب بها العقل كان عن جنايته ، سواء أثر ذلك في | جسده أو لم يؤثر ، وكذلك لو لطمه بيده ، أو ركله برجله حتى أزعجه بركلته أو لطمته | التي يقول علماء الطب : إن مثلها يذهب العقل كان ذاهبا عن جنايته ومأخوذا بديته ، | وأما ما كان عن غير مباشرة فكالإشارة إليه بسيف أو تقريب سبع أو إدناء أفعى فيذعر | منه فيزول عقله به فيعتبر حاله فإن كان طفلا أو مضعوفا مذعورا فذلك مزيل لعقل مثله | فيؤخذ بديته [ وإن كان قوى النفس ثابت الجأش فعقل مثله لا يزول بهذا التفزيع فلا دية | فيه ، وهكذا إن زعق عليه بصوت مهول فزال عقله كان معتبرا بحاله في قوة جأشه أو | ذعره ، فلا تلزمه الدية في ذي الجأش وتلزمه في المذعور ، فأما إن أخبره مصيبة حزن | لها فزال عقله أو أخبره بمسرة فرح بها فزال عقله لحدوث زواله عن فرح وحزن أحدثه | الله تعالى فيه . |
| ( فصل )
وإذا زال عقله بجناية مباشرة فلم يخل حالها من أن يوجب غرما سوى دية | العقل أو لا يوجب ، فإن لم يوجب سوى دية العقل غرما كاللطمة واللكمة وما لا يؤثر | من الخشب والمثقل في الجسد غير الألم فتستقر بها دية العقل ، ويكون ما عداه من ألم | الضرب هدرا ، وهل يعزر به أم لا ؟ على وجهين :
أحدهما : لا يعزر لإيجابه دية العقل ، وغرمها أغلظ من التعزير .
والوجه الثاني : يعزر ، لأن غرم الدية في غير محل الألم ، فوجب أن لا يخلو من | تعزير إذا خلا من غرم .
وإن أوجبت الجناية غرما سوى دية العقل من مقدر أو غير مقدر ففيه قولان :
أحدهما : وبه قال في القديم وهو مذهب أبي حنيفة : أنه إن كان ما وجب | بالجناية أقل من دية العقل كالموضحة والمأمومة ، أو قطع إحدى الأذنين دخل ذلك في | دية العقل ولم يجب عليه أكثر منها ، وإن كان موجبا من الدية ، لقطع الأذنين وجذع | الأنف ، دخلت فيه دية العقل وأخذ بدية الأذنين والأنف ليكون الأقل داخلا في الأكثر ، | استدلالا بأن زوال العقل مسقط للتكليف فأشبه الموت .
والقول الثاني : قاله في الجديد وهو الأصح : أن دية العقل لا تسقط بما عداها ، | ولا يسقط بها ما عداها ، سواء كان ما وجب بالجناية أقل من دية العقل كالمأمومة ، | فيجب عليه ثلث الدية في المأمومة وجميع الدية في العقل ، أو كان ما وجب بالجناية | أكثر من دية العقل كالأذنين والأنف ، فيجب عليه ثلاث ديات واحدة في العقل ، وثانية | في الأذنين ، وثالثة في الأنف ، لرواية أبي المهلب أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه |