والثاني : أن شواهد الأصول في جميع الحدود مستقرة على اعتبارها بوقت | الوجوب ، كالزاني إذا زنى بكرا فلم يحد حتى أحصن لم يرجم . وكالسارق لما قيمته | ربع دينار فصاعدا إذا انقصت قيمته قبل القطع لم يسقط القطع ، فاقتضى أن يكون حد | القذف بمثابتها في اعتباره بوقت الوجوب .
ودليلنا أربعة أشياء :
أحدها : أن الله تعالى أوجب الحد على قاذف المحصن إثباتا لعفته ، والزاني لا | يثبت له عفة فلم يجب في قذفه حد .
والثاني : أن حد القذف موضوع لإسقاط المعرة عن المقذوف ، والمعرة تسقط | عنه إذا زنى فلم يجب في قذفه حد .
والثالث : أن من عادة من لا يبالي باجتناب المعاصي أن يستتر بإخفائها وأن | ظهورها منه لا يكون إلا بعد كثرتها وتكرارها ، حمل إلى عمر - رضي الله عنه - رجل | زنا ، فقال والله ما زنيت قبل هذا ، فقال عمر : كذبت أن الله لا يفضح عبده بأول | معصية فكان فيما ظهر زناه دليل على تقدمه منه فلم يحد قاذفه .
والرابع وهو العمدة : أن العفة تكون استدلالا بالظاهر دون اليقين كالعدالة ، لأنه | قد يجوز أن يخفي غير ما يظهر ، فإذا ظهر ما كان يخفيه من الزنا قدح في الاستدلال | بظاهر العفة فسقط ثبوتها فلم يجز أن يحد قاذفه كالشاهد إذا شهد وهو على ظاهر | العدالة فلم يحكم بها حتى ظهر فسقه سقط الاستدلال بظاهر عدالته فلم يجز أن يحكم | بما تقدم من شهادته ، فإن قيل : لا يصح الجمع بين العفة والعدالة من وجهين :
أحدهما : أن الردة تسقط ما تقدمها من الشهادة ، ولا تسقط ما تقدمها من العفة .
والثاني : أن البحث عن العدالة لازم ، والبحث عن العفة غير لازم فجاز أن تثبت | العفة بالظاهر الذي لا تثبت العدالة فافترقا ، قيل هذان الوجهان لا يقدح فيهما بما تقدم | من الاستدلال ولا يمنع من الجمع بين العفة والعدالة .
أما أول الوجهين : في الفرق بينهما بالردة فالجواب عنه : أن حد القذف موضوع | لحراسة العفة من القذف بالزنا دون الردة فجاز أن تسقط بحدوث الزنا وإن لم تسقط | بحدوث الردة والعدالة محروسة من جميع الكبائر فاستوت فيه الردة وغيرها وإن | خالفت في العفة غيرها . |