تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والقول الثاني : قاله في الجديد إنه يعود عند اختلافهم إلى ما يوجبه الدليل ، ويقتضيه | الاجتهاد ، لأن التقليد مع الاختلاف يفضي إلى اعتقاد ما لا يؤمن كونه جهلا والإقدام على ما | لا يؤمن به يكون قبيحا ، وقبح ما يجري هذا المجرى مقرر في العقول وإفراد الصحابة كإفراد | سائر الأمة فيما عليهم من الاجتهاد في الحادثة لكن إذا اختلف الصحابة على قولين لم يكن | لمن بعدهم إحداث قول ثالث ، بخلاف ما ذهب إليه داود وأهل الظاهر ، لأن ذلك إجماع | منهم على ما سوى القولين باطل ، ليس بحق ، فهذه أربعة أصناف يجوز تقليدها على ما | ذكرنا من ترتيب الحكم فيها ولم يرد الشافعي شيئا منها بنهيه عن تقليد غيره . |

| فصل

وأما من يختلف حالهم باختلاف حال السائل والمسؤول فهم علماء الأمصار ، | فإن كان السائل عاميا ليس من أهل الاجتهاد جاز له تقليدهم ، فيما يأخذ به ويعمل عليه ، | لقوله تعالى : ^ ( فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) ^ [ الأنبياء : 7 ] . ولأن العامي عادم | لآلة الاجتهاد للوصل إلى حكم الحادثة فجرى مجرى الضرير يرجع في القبلة لذهاب بصره | إلى تقليد البصير لكن اختلف أصحابنا هل يلزمه الاجتهاد في الأعيان من المعينين على | وجهين :

أحدهما : وهو قول أبي العباس بن سريج يلزمه أن يجتهد ولا يقلد إلا أعلمهم | وأورعهم وأسنهم .

والوجه الثاني : وهو قول جمهور أصحابنا لا يلزمهم ذلك ، لأنه لا يصل إلى معرفة | الأعلم إلا أن يكون مشاركا في العلم ، والعامي ليس بمشارك فصار عادما لآلة الاجتهاد في | أعلمهم ، كما كان عادما لآلة الاجتهاد في حجة قولهم ، فعلى هذين الوجهين لو وجد عالمين | وعلم أن أحدهما أعلم فعلى الوجه الأول يلزمه تقليد الأعلم عنده وعلى الوجه الثاني : هو | بالخيار لأن كون أحدهما أعلم في الجملة لا ينبغي أن يكون الآخر أوصل إلى حكم الحادثة | المسؤول عنها ، أو مساويا فيها ، وعلى هذين الوجهين ، لو استفتى فقيها لم يسكن إلى فتياه | فعلى الوجه الأول يلزمه أن يسأل ثانيا وثالثا حتى يصيروا عددا تسكن نفسه إلى فتياهم ، | وعلى الوجه الثاني لا يلزمه سؤال غيره ، ويجوز له الاقتصار على فتياه ، لأنه ليس نفور نفسه | ولا سكونها حجة .

ولو استفتى فقيها ، ثم رجع الفقيه عن فتياه ، فإن لم يعلم السائل بالرجوع فهو على ما | كان عليه العمل بها ، وإن أخبره برجوعه ، فإن كان الفقيه خالف نصا لزم السائل أن يرجع عن | الأول إلى الثاني ، وإن كان قد خالف أولى التصوير فإن كان قد فعل السائل بما أفتاه به لم |

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزني · الجزء ١ · الصفحة ٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي وهو شرح مختصر المزنيج ١ · ص ٣٢