تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والوضوح وتنقلب مشاهدة فلا يكون بين المشاهدة في الآخرة والمعلوم في الدنيا اختلاف إلا من حيث زيادة الكشف والوضوح فإذا لم يكن في المعرفة إثبات صورة وجهة فلا يكون في استكمال المعرفة بعينها وترقيها في الوضوح إلى غاية الكشف أيضا جهة وصورة لأنها هي بعينها إلا في زيادة الكشف كما أن الصورة المرئية هي المتخيلة بعينها إلا في زيادة الكشف ولهذا لا يفوز بدرجة النظر والرؤية إلا العارفون في الدنيا لأن المعرفة هي البذر الذي ينقلب في الآخرة مشاهدة كما تنقلب النواة شجرة والبذور زرعا ومن لا نواة له فكيف يحصل له نخل فكذلك من لا يعرف الله في الدنيا فكيف يراه في الآخرة

ولما كانت المعرفة على درجات متفاوتة كان التجلي أيضا على درجات متفاوتة فاختلاف التجلي بالإضافة إلى اختلاف المعارف كاختلاف النبات بالاضافة إلى اختلاف البذور إذ تختلف لا محالة بكثرتها وقلتها وحسنها وقوتها وضعفها ولذلك قال عليه السلام إن الله تجلى للناس عامة ولأبي بكر خاصة لأنه فضل الناس بسر وقر في صدره بلا جرم تفرد يالتجلي وكل من لم يعرف الله في الدنيا لا يراه في الآخرة إذ ليس يستأنف لأحد في الآخرة ما لم يصحبه من الدنيا ولا يحصد أحد إلا ما زرع ولا يحشر المرء إلا على ما مات عليه ولا يموت إلا على ما عاش عليه فما صحبه من المعرفة هي التي يتنعم بها بعينها فقط إلا انها تنقلب مشاهدة بكشف الغطاء عنها فتتضاعف اللذة كمل تتضاعف لذة العاشق إذ استبدل بخيال صورة المعشوق رؤية صورته فان ذلك هو منتهى لذته فاذا نعيم الجنة بقدر حب الله تعالى وحب الله تعالى بقدر المعرفة فأصل السعادات هي المعرفة التي عبر الشرع عنها بالايمان

فإذا قلت فلذة الرؤية إن كان لها نسبة إلى لذة المعرفة فهي قليلة وإن كانت أضعافها لأن لذة المعرفة في الدنيا قليلة ضعيفة فتضاعفها إلى حد قريب لا ينتهي في القوة إلى إن يستحقر سائر لذات الجنة فيها

معارج القدس · الصفحة ١٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

معارج القدسص ١٦٠