تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

============================================================ 17 وهى أول المقامات، وهى بعثابة الأرض للبناء، فمن لا أرض له لا بناء له، ومن لا توبة له لا حال له ولا مقام له، وإقى بميلغ علمى وقدر وسعى وجهدى اعتبرت المقامات والأحوال وثمرتها فرأيتها يجمعها ثلاثة أشياء، بعد صحة الايمان وعقوده وشروطه، فصارت مع الإيمان أربعة.

ثم رأيتها فى إفادة الولادة المعنوية الحقيقية بمثابة الطبائع الأربع التى جعلها الله تعالى بإجراء سنته مقيدة للولادة الطبيعية، ومن تحقق بحقائق هذه الأربع يلج ملكوت السموات، ويكاشف بالقدر والآيات، ويصير له ذوق وفهم لكلمات الله تعالى المنؤلات، ويحظى بجميع الأحوال والمقامات، فكلها من هذه الأربع ظهرت، وبها تهيأت وتأكدت، فأحد الثلاث بعد الإيمان: التوبة النصوح، والتانى: الزهد فى الدنيا.

والثالث: تحقيق مقام العبودية بدوام العمل لله تعالى ظاهرا وباطنا من الأعمال القلبيية والقالبية من غبر فتور وقصور ثم يستعان على إتمام هذه الأربعة بأربعة أخرى بها تمامها وقوامها، وهى: قلة الكلام، وقلة الطعام، وقلة المنام، والاعتزال عن الناس.

واتفق العلماء الزاهدون والمشايخ على أن هذه الأربع بها تستقر المقامات وتستقيم الأحوال، ويها صار الأبدال أبدالا بتأييد الله تعالى وحسن توفيقه.

وتبين بالبيان الواضح أن سائر المقامات تندرج فى صحة هذه، ومن ظفر بها فقد ظفر بالمقامات كلها، أولها بعد الايمان =: التوبة، وهى فى مبدأ صحتها تفتقر إلى أحوال، وإذا صحت تشتمل على مقامات وأحوال، ولابد في ابتدائها من وجود زاجر، ووجدان الراجر حال، لأته موهبة من الله تعالى على ما تقرر أن الأحوال مواهب. وحال الزاجر مفتاح التوية ومبدؤها.

قال رجل لبشر الحافى: مالى أراك مهموما؟ قال: لأتى ضال ومطلوب: ضللت الطريق والمقصد، وأنا مطلوب به، ولو تبينت كيف الطرق إلى المقصد لطلبت، ولكن سنة الغفلة أدركتنى وليس منها خلاص إلا أن أزجر فأنزجر.

وقال الأصمعى: رأيت أعرابيا بالبصرة يشتكى عينيه، وهما يسيل منهما الماء، فقلت له: ألا تمسح عينيك؟ فقال: لاب لأن الطبيب زجرنى، ولا خير فيمن لا ينزجر.

عوارف المعارف · مقدمة الطبعة

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عوارف المعارفالمقدمة