جواب آخر : وهو أن يحمل ' لا تدركه الأبصار ' على أنها لا تدركه في جهة ، ولا تدركه جسما ولا صورة ولا متحيزا ولا حالا في شيء ' وهو يدرك الأبصار ' على جميع هذه الصفات ، وتكون الحكمة فيه الرد على النصارى وأهل التشبيه ومن يقول بالجهة والحيز والصورة ، وغير ذلك مما لا يليق به سبحانه وتعالى .
فإن احتجوا بقوله تعالى : ' يسئلك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة ' فأكبر الله هذا السؤال فأنكره .
قيل لهم : لا حجة لكم في ذلك ، لأن الله تعالى ما أكبر ذلك لكونه مستحيلا ، وإنما أنكره لأنهم سألوه ذلك على وجه التعنت ، ألا ترى أنه أنكر عليهم سؤالهم تنزيل الكتاب من السماء ، وليس ذلك بمستحيل ، وإنما أنكروا استكبارا وتعنتا منهم لمحمد صلى الله عليه وسلم وتشكيكا للناس في نبوته ؛ لأن عندهم التوراة ، والإنجيل ، والفرقان ، وكل ذلك منزل من عند الله ، وإنما أرادوا بذلك التلبيس على العوام ، حتى لا يصدقوا بنبوته صلى الله عليه وسلم ، وتركوا ما أوجب الله عليهم من الإيمان به في التوراة والإنجيل ، كما قال تعالى : ' الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ' فإكباره تعالى سؤالهم ذلك لأجل هذه المعاني لا يكون ذلك مستحيلا . وهذا كما أنكر تعالى سؤال قريش لما قالوا : ' لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا أو تكون لك جنة من نخيل وعنب أو ترقى في السماء ' وكل ذلك جائز غير مستحيل ، لكن أنكره عليهم وأكبره لما كان ذلك على وجه