فإن احتجوا بقوله تعال : ' لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ' قالوا : فأخرج ذلك مخرج التمدح ، كما تمدح بقوله تعالى : ' بديع السموات والأرض أنى يكون له ولد ' فكيف يجوز أن يزول عن مدحته ، فالجواب عن هذه الآية من وجوه عدة : أحدها : أن يقال لهم : ما أنكرتم على قائل يقول لكم ، لا حجة لكم في ذلك ، لأن التمدح إنما وقع في قوله تعالى : ' وهو يدرك الأبصار ' لأن كون الشيء لا يدرك بالأبصار لا يدل على مدحه ، ألا ترى المعدوم لا تدركه الأبصار ، ولا يوجب كون ذلك مدحة له ، وكذلك عندكم العطور والروائح وأكثر الأعراض لا تدرك بالأبصار ، وليست بممدوحة ، لأنها لا تدركها الأبصار .
فإن قيل : ما أنكرتم أن يكون متمدحا بأنه يدرك الأبصار وأنها لا تدركه ؟ قيل لهم : لأن للوصفين الذين يتمدح بهما لا بد أن يكون في كل واحد منهما مدح بمجرده نحو قوله تعالى : ' عزير حكيم ' و ' عليم قدير ' فكل واحد من الوصفين مدح في نفسه ، تجدد أو انضم إلى غيره ، ولما لم يكن كون المعدوم غير مدرك بالبصر مدحا له عندنا وعندكم بطل ما قلتم .
جواب آخر : وهو أن نقول الآية حجة عليكم وذلك قوله : ' وهو يدرك الأبصار ' فحسب ، وإنما أراد أنه يدرك جميع المرئيات ، فأثبت تعالى أنه يرى الأشياء لأنه موجود ، قادر على الرؤية ، وسائر الأشياء الموجودة التي يجوز أن ترى ، لكن تمدح تعالى بأن كل راء يجوز أن يرى ، لكن هو تعالى